20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عمر محمد العرب يكتب: في ذكرى الإسراء والمعراج.. أعتذر لأننا لم نكن على قدر السماء

الإسراء والمعراج لم يكونا معجزة روحية فقط، بل عهدًا أخلاقيًا واضحًا يقول إن المقدسات ليست حجارة، بل قيم وأن انتهاكها ليس اعتداءً على دين، بل جريمة بحق الإنسان.

بقلم: عمر العرب
١٦ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
ذكرى الإسراء والمعراج تعيد فتح جراح الأمة التي تشاهد في صمت انتهاكات الصهاينة ضد فلسطين والمسجد الأقصى

ذكرى الإسراء والمعراج تعيد فتح جراح الأمة التي تشاهد في صمت انتهاكات الصهاينة ضد فلسطين والمسجد الأقصى

في هذه الليلة، لم تكن السماء بعيدة، ولم تكن الأرض صغيرة، لكن الإنسان كان في امتحان. ليلة الإسراء والمعراج لم تكن عبورًا في المكان ولا حدثًا عابرًا في الزمن، بل كانت انتقالًا في الوعي وقفزة في المعنى وانقلابًا أخلاقيًا في مسار البشرية.

في تلك الليلة، قيل للإنسان إنه خُلق ليَسمو لا ليَبطش، ليعدل لا ليَتغوّل، ليحمل القيم لا ليدوسها. ومن المسجد الأقصى بدأ هذا الارتقاء.

ومن هناك، انطلقت رسالة لم تُكتب لجماعة ولا خُصّت بأمة بل وُجهت إلى الضمير الإنساني كله.

وأنا اليوم في ذكرى هذه الليلة العظيمة، لا أكتب احتفالًا ولا أستدعي طقسًا ولا أبحث عن لغة تُعجب.. أنا أعتذر!

أعتذر؛ لأننا لم نكن على مستوى الرسالة. أعتذر؛ لأننا شاهدنا ولم نتحرك وسمعنا ولم نغضب وعرفنا ولم نُغيّر.

أعتذر؛ لأن المكان الذي كان بوابة السماء صار ساحة للخذلان، ولأن الرسالة التي أرادت تحرير الإنسان تُهان اليوم أمام أعين العالم.

الإسراء والمعراج لم يكونا معجزة روحية فقط، بل عهدًا أخلاقيًا واضحًا يقول إن المقدسات ليست حجارة، بل قيم وأن انتهاكها ليس اعتداءً على دين، بل جريمة بحق الإنسان. لكن هذا العهد تُرك بلا حراسة وتحولت الرسالة إلى ذكرى والذكرى إلى عادة والعادة إلى صمت.

أعتذر منك يا مسجد الأقصى، لأننا سمحنا أن تكون وحيدًا أن تُنتهك ونحن نُدير الوجوه أن تُحاصر ونحن نُبرر العجز أن يُمسّ جوهرك ونحن نختلف على الصياغات.

أعتذر لأننا جعلناك عنوانًا للخطب لا محورًا للقرار ورمزًا للتعاطف لا قضية فعل.

أعتذر لأننا اعتدنا مشهد الألم حتى فقدنا دهشتنا وفقد الغضب معناه.

وأعتذر من فلسطين لأنها حملت العبء وحدها واجهت الظلم وحدها ودفعت ثمن الحقيقة بينما كان العالم يبحث عن راحته.

أعتذر لأننا سمحنا أن يُعاد تعريف الظلم وأن يُجمّل القهر وأن تُدان الضحية وتُمنح الأعذار للجلاد.

الإسراء والمعراج أرادا نقل الإنسان من عالم الأنانية إلى عالم المسؤولية ومن منطق القوة إلى ميزان العدالة لكننا اليوم نعيش ارتدادًا أخلاقيًا واضحًا فاضحًا ومؤلمًا.

العنصرية تُمارس بلا خجل والقتل يُبرر بلا وجل والصمت يُسوّق على أنه حكمة.

وهنا لا يمكن للضمير أن يهرب من السؤال:

أين الحكّام؟

أليسوا مسؤولين عن حماية المقدسات أليسوا أمناء على ما هو أسمى من السلطة أليسوا مسلمين يعرفون معنى الإسراء وقدسية البداية وثقل الأمانة؟

إن كان الأفراد يعجزون فما عذر من يملكون القرار وإن كان الناس ضعفاء فأين موقع من يملكون القوة والمكانة والشرعية.

الصمت هنا ليس حيادًا والانتظار ليس حكمة وتغليف العجز بلغة السياسة لا يغيّر حقيقته.

فالمقدسات لا تحتاج تعاطفًا بل حماية ولا تحتاج بيانات بل مواقف.

والتاريخ لا يسأل كم طال الحكم بل يسأل ماذا حُمي وماذا تُرك ومن صمت حين كان الكلام واجبًا.

وهذا كله ليس شأنًا دينيًا داخليًا ولا قضية شرق فقط.

ما يحدث اليوم هو اختبار أخلاقي للبشرية اختبار لمعنى القيم ولقدرة العالم على الدفاع عن أبسط مبادئ العدالة.

حين تُنتهك المقدسات ولا يهتز الضمير العالمي فالمشكلة ليست في الجريمة وحدها بل في العالم الذي قبل بها.

في ذكرى الإسراء والمعراج ننظر إلى السماء فنخجل من الأرض نستذكر الارتقاء فنكتشف حجم السقوط.

هذه الليلة ليست للزينة ولا للخطابات الجاهزة بل للمساءلة.

هل كنّا أوفياء للرسالة هل حمينا المعنى هل وقفنا حيث يجب أن نقف؟

أعتذر لأن الاعتذار اعتراف وأعترف لأن الصمت خيانة للمعنى.

وأقولها بوضوح الدفاع عن المقدسات ليس فضلًا بل واجب وليس تطرّفًا بل جوهر الإيمان.

وفي ذكرى الإسراء والمعراج إما أن نرتقي إلى مستوى السماء التي فُتحت يومًا أو نعترف أننا اخترنا الأرض حين كان علينا أن نسمو.

هذه ليست كلمات حزن بل نداء ضمير وليست مقالة رأي عابرة بل شهادة أخلاقية.

فالمقدسات وُجدت لتُصان والرسائل وُجدت لتُحمل والتاريخ لا يرحم من رأى وسكت.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

عمر العرب

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير