21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ماكرون يقود الرد الأوروبي الموحد: 'جرينلاند ليست للبيع' والترهيب الأمريكي لن يغير موقفنا

ماكرون يقود الرد الأوروبي الموحد: 'جرينلاند ليست للبيع' والترهيب الأمريكي لن يغير موقفنا

بقلم: محمد خميس
١٧ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
Screenshot_2

Screenshot_2

ماكرون يقود الرد الأوروبي الموحد: 'جرينلاند ليست للبيع' والترهيب الأمريكي لن يغير موقفنا

شهدت العلاقات عبر الأطلسي اليوم تصعيداً غير مسبوق، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية، كأداة ضغط استراتيجية لإجبار الدنمارك على بيع جزيرة جرينلاند. 

وجاء الرد الأوروبي سريعاً وحازماً بقيادة فرنسا والسويد، مما ينذر بمواجهة اقتصادية شاملة قد تبدأ مطلع فبراير المقبل.

"خطة حزيران" الأمريكية.. تصعيد تدريجي لانتزاع الجزيرة


وأعلن الرئيس ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة لن تكتفي بالمفاوضات الدبلوماسية، ملوحاً بسلاح الرسوم الجمركية وفق الجدول التالي 1 فبراير 2026 بدء تطبيق رسوم بنسبة 10% على واردات 8 دول أوروبية و1 يونيو 2026 رفع الرسوم إلى 25% في حال عدم التوصل لاتفاق لبيع جرينلاند بالكامل.

 

كما أن الدول المستهدفة الدنمارك، النرويج، السويد، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، هولندا، وفنلندا، وبرر ترامب هذه الخطوة بأن جرينلاند تمثل "ثقباً أمنياً" يهدد الأمن القومي الأمريكي أمام التغلغل الروسي والصيني في القطب الشمالي، مشدداً على أن منظومة الدفاع الصاروخي "القبة الذهبية" تتطلب السيطرة الكاملة على الجزيرة.

من جانبه، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإجراءات الأمريكية بأنها "غير مقبولة"، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي أعد خطة رد موحدة وشاملة .

وقال : "أي ترهيب أو تهديد لن يؤثر على استقلالية القرار الأوروبي، سواء في أوكرانيا أو جرينلاند. لن نقبل بإجراءات أحادية تمس مصالحنا." 

وفي ستوكهولم، أكد رئيس وزراء السويد أن بلاده لن تخضع للابتزاز الأمريكي، مشدداً على أن الدفاع عن سيادة الدنمارك على أراضيها هو دفاع عن سيادة أوروبا بأكملها، وأن لغة الرسوم الجمركية لا مكان لها في النقاشات الأمنية بين الحلفاء.

جرينلاند.. حلم "سيوارد" الاستعماري وصراع "القبة الذهبية" في 2026


تعد الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على جزيرة جرينلاند واحدة من أطول الملفات المفتوحة في تاريخ السياسة الخارجية لواشنطن، إذ تعود أولى محاولات الشراء إلى عام 1867، حين طرح وزير الخارجية "ويليام سيوارد" الفكرة بعد نجاحه في شراء ألاسكا من الروس.

 ورغم رفض الدنمارك المتكرر، لم تغب الجزيرة عن الرادار الأمريكي؛ ففي عام 1946 عرض الرئيس هاري ترومان 100 مليون دولار من الذهب لشرائها، وفي عام 2019 أعاد دونالد ترامب إشعال الملف بوصفه "صفقة عقارية كبرى"، وصولاً إلى عام 2026 حيث تحولت الرغبة من "عرض تجاري" إلى "ضرورة أمنية مطلقة" في عقيدة ترامب الجديدة.

تكمن الأهمية الجيوسياسية لجرينلاند في كونها "حجر الزاوية" للسيطرة على القطب الشمالي. فمع ذوبان الجليد، تحولت الجزيرة إلى "مصرف استراتيجي" يحتوي على 18% من احتياطيات العالم من المعادن الأرضية النادرة، وهي عناصر حيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية، لكن المحرك الفعلي للتصعيد في يناير 2026 هو برنامج "القبة الذهبية"؛ وهو نظام دفاعي صاروخي فضائي متطور أعلنه ترامب لحماية الولايات المتحدة من الصواريخ فرط الصوتية الروسية والصينية. ويرى البيت الأبيض أن امتلاك السيادة الكاملة على جرينلاند، وليس مجرد استضافة قواعد مثل "بيتوفيك" (ثول سابقاً)، هو أمر لا غنى عنه لنشر رادارات المنظومة ومنع أي "ثقب أمني" في شمال الأطلسي.

 

على الجانب الآخر، يمثل الموقف الأوروبي بقيادة فرنسا والسويد مدافعةً عن مبدأ "السيادة الوطنية" ورفضاً قاطعاً للتعامل مع الدول كسلع قابلة للتداول. 

 

بالنسبة للأوروبيين، فإن قبول "صفقة جرينلاند" تحت ضغط الرسوم الجمركية يعني انهيار النظام الدولي القائم، واعترافاً بتبعية القارة العجوز لقرارات واشنطن الأحادية. 

 

وإن إصرار كوبنهاغن على أن "جرينلاند ليست للبيع" لم يعد مجرد رد دنماركي، بل أصبح "خطاً أحمر" للاتحاد الأوروبي الذي يرى في التهديد الأمريكي بفرض رسوم بنسبة 25% محاولة لتقويض الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.

 

وبذلك، تدخل العلاقة بين ضفتي الأطلسي في مطلع 2026 نفقاً مظلماً؛ حيث لا تتعلق الأزمة فقط بالتبادل التجاري، بل بصراع على هوية النظام العالمي الجديد، ومدى قدرة أوروبا على الصمود أمام استراتيجية "الضغوط القصوى" التي باتت واشنطن تطبقها على حلفائها وأعدائها على حد سواء.

 

وتضع أزمة "جرينلاند" العلاقات العابرة للأطلسي في عام 2026 أمام اختبار وجودي؛ فالمواجهة لم تعد تجارية فحسب، بل صراعاً على "السيادة" مقابل "الهيمنة". 

 

إن صمود أوروبا أمام رسوم ترامب سيحدد مستقبل استقلالها الاستراتيجي، بينما يظل القطب الشمالي ساحةً مفتوحة لرسم ملامح نظام عالمي جديد، لا مكان فيه للحياد.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال