كشفت وزارة الخارجية الأردنية، اليوم الأحد، أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني تلقّى دعوة رسمية من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للانضمام إلى ما يُسمّى «مجلس السلام في قطاع غزة»، في خطوة تأتي ضمن التحركات السياسية التي أعقبت الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضح المتحدث باسم الخارجية الأردنية، السفير فؤاد المجالي، أن عمّان تدرس حاليًا الوثائق المرتبطة بهذه الدعوة، وفق الإجراءات الدستورية والقانونية الداخلية المعمول بها في المملكة، دون اتخاذ قرار نهائي حتى اللحظة، ما يعكس حذرًا أردنيًا واضحًا إزاء طبيعة المجلس وأهدافه وحدود صلاحياته السياسية والأمنية.
وتأتي هذه الدعوة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، رغم الاتفاقات المعلنة، واستمرار المجازر بحق المدنيين منذ أكتوبر 2023، بدعم أمريكي مباشر سياسيًا وعسكريًا، وهو ما يطرح علامات استفهام جوهرية حول مفهوم “السلام” الذي تطرحه واشنطن في هذا السياق.
الدور الأمريكي في غزة
وفي بيان رسمي، أكد السفير فؤاد المجالي أن المملكة الأردنية “تثمّن الدور القيادي الذي يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب” في التوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وفي إطلاق ما وصفته الخارجية بـ”الخطة الشاملة للسلام”، إضافة إلى الجهود الأمريكية الهادفة – وفق البيان – إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
غير أن هذه الإشادة الرسمية تتقاطع مع واقع ميداني مغاير، حيث لم يتوقف القصف الإسرائيلي بشكل كامل، واستمر نسف المباني واستهداف المدنيين، في انتهاك واضح لبنود الاتفاق، ما يعكس الفجوة العميقة بين الخطاب السياسي الأمريكي وبين الوقائع اليومية في غزة.
وبحسب مراقبين، فإن الإشارات الإيجابية الصادرة عن بعض العواصم العربية لا تعني بالضرورة تبنّيًا كاملًا للرؤية الأمريكية، بقدر ما تعبّر عن محاولة احتواء مرحلة انتقالية غامضة، يخشى كثيرون أن تتحول إلى بوابة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية على مستقبل القطاع.
إعلان لجنة التكنوقراط في غزة
بالتوازي مع التحرك الأمريكي، أعلنت كل من مصر وقطر وتركيا اكتمال تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، واعتبرت الدول الثلاث أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا من شأنه الإسهام في تعزيز جهود الاستقرار، وتحسين الأوضاع الإنسانية المتدهورة في القطاع.
ووفق البيانات الصادرة، يُفترض أن تتولى اللجنة إدارة الملفات المدنية والخدمية خلال المرحلة الانتقالية، بما يشمل الإغاثة، وإعادة الإعمار، والتنسيق مع المؤسسات الدولية، في ظل دمار شامل خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023.
إلا أن الإعلان، رغم طابعه الإنساني، لم يترافق مع توضيح دقيق لمرجعية اللجنة السياسية، ولا لطبيعة علاقتها بمنظمة التحرير الفلسطينية أو بالفصائل، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة سؤال الشرعية، وحدود الفصل المقصود بين الإدارة المدنية والتمثيل الوطني.
دعم أمريكي مشروط
من جانبه، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه الكامل للجنة إدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب تأييده تشكيل مجلس السلام، باعتباره – وفق التصريحات الأمريكية – إطارًا إقليميًا–دوليًا لمرافقة المرحلة المقبلة.
لكن هذا الدعم الأمريكي لا يمكن فصله عن الدور الذي لعبته واشنطن منذ بداية الحرب، حيث وفّرت الغطاء السياسي للاحتلال الإسرائيلي في مجلس الأمن، واستمرت في تزويده بالسلاح رغم توثيق المجازر الجماعية بحق المدنيين، وهو ما يُضعف مصداقية أي مشروع سلام ترعاه الإدارة الأمريكية.
ويرى محللون أن واشنطن تحاول عبر هذه الهياكل الجديدة إدارة نتائج الحرب بدل محاسبة مرتكبيها، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إداري–إنساني، تُدار فيه حياة الفلسطينيين تحت الحصار، بينما يُعفى الاحتلال من مسؤولياته القانونية كقوة احتلال.
ما بين الإدارة والسلام
يثير الربط بين لجنة التكنوقراط ومجلس السلام مخاوف فلسطينية متزايدة من أن تكون المرحلة المقبلة محاولة ناعمة لإعادة تشكيل غزة سياسيًا، دون إنهاء الاحتلال أو وقف العدوان بشكل كامل، ودون الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني التي جرى سحقها بالقوة منذ أكتوبر 2023.
ففي الوقت الذي تُطرح فيه مشاريع “الاستقرار” و”السلام”، لا تزال إسرائيل تواصل خروقاتها اليومية، وتحاصر القطاع، وتمنع الإعمار الحقيقي، فيما تواصل أمريكا لعب دور الراعي السياسي للاحتلال، لا الوسيط النزيه.










