استيقظت مدينة خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، على مشهد جديد من الموت والدمار، بعد سقوط ضحايا مدنيين جراء قصف طال أحياء سكنية، تزامن مع انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي شلّت قطاعات حيوية، من المستشفيات إلى محطات المياه والتدفئة. وبحسب السلطات الأوكرانية، فإن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت طاقة وشبكات توزيع رئيسية، ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من السكان من أبسط مقومات الحياة.
الضربات لم تكن مجرد حادث عسكري عابر، بل جاءت في قلب الشتاء القارس، حيث تتحول الكهرباء من خدمة عامة إلى مسألة بقاء، ويصبح انقطاعها تهديدًا مباشرًا لحياة الأطفال وكبار السن والمرضى، في مدينة لا تزال تعيش منذ أشهر تحت ضغط القصف المتكرر.
خاركيف والضحايا المدنيون
وفقًا لبيانات رسمية أوكرانية وتقارير محلية، أسفرت الضربات الأخيرة عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، بينهم نساء، إضافة إلى دمار واسع في المنازل والبنية الخدمية. فرق الإسعاف عملت لساعات طويلة وسط صعوبات هائلة بسبب انقطاع الكهرباء وتضرر الطرق، فيما اضطرت بعض المستشفيات إلى الاعتماد على المولدات الاحتياطية.
هذه الخسائر تُضاف إلى سجل إنساني ثقيل تراكم منذ اندلاع الحرب، حيث بات المدنيون الحلقة الأضعف في صراع عسكري طويل، لم تعد خطوطه واضحة بين الجبهة والخلفية، ولا بين الهدف العسكري والحياة اليومية للسكان.
استهداف البنية التحتية
استهداف منشآت الطاقة في خاركيف ليس تطورًا جديدًا، بل جزء من نمط متكرر في مسار الحرب الأوكرانية. فشبكات الكهرباء ومحطات التوليد باتت أهدافًا مركزية، تُضرب لإضعاف قدرة الدولة على الصمود، ولخلق ضغط نفسي واجتماعي واسع على المجتمع المدني.
وبحسب تقارير أممية سابقة، فإن تدمير البنية التحتية الحيوية يُعد من أخطر أوجه الحروب الحديثة، لأنه يحوّل الحياة المدنية إلى ساحة قتال مفتوحة، ويجعل المدنيين رهائن مباشرة لقرارات عسكرية، لا يملكون أي قدرة على التأثير فيها.
في خاركيف، يتجسد هذا الواقع بوضوح: القصف لا يقتل فقط من يسقطون تحت الأنقاض، بل يقتل ببطء عبر البرد، وانقطاع المياه، وتعطّل المستشفيات، وتآكل القدرة على الاحتمال.
خاركيف منطق الاستنزاف
تعكس الهجمات الأخيرة انتقال الحرب إلى مرحلة استنزاف طويلة الأمد، حيث لم يعد الهدف تحقيق حسم سريع، بل إنهاك الطرف الآخر اقتصاديًا واجتماعيًا ومعنويًا. في هذا النوع من الحروب، تتحول المدن الكبرى إلى أدوات ضغط، ويصبح المدنيون جزءًا من معادلة الردع.
ويرى محللون أن ضرب البنية التحتية في خاركيف يوجّه رسالة مزدوجة: عسكرية إلى القيادة الأوكرانية، وسياسية إلى المجتمع الأوروبي الداعم لكييف، مفادها أن كلفة الاستمرار في الحرب ستبقى مرتفعة، وأن الجبهة الداخلية لن تكون بمنأى عن التصعيد.
لكن هذا المنطق، رغم فعاليته العسكرية المؤقتة، يترك آثارًا إنسانية مدمّرة يصعب ترميمها حتى بعد توقف القتال.
يتزامن التصعيد في خاركيف مع استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، سواء عبر السلاح أو التمويل، ما يجعل المدينة نقطة تماس غير مباشرة بين روسيا والغرب. فكل ضربة على شبكة كهرباء لا تُقرأ فقط في سياق ميداني، بل تُحمّل بدلالات سياسية تتجاوز حدود أوكرانيا.
في المقابل، تُحذّر منظمات دولية من أن استمرار استهداف البنية التحتية يهدد بانهيار إنساني واسع، ويقوّض أي فرص مستقبلية للتسوية، إذ كلما طال أمد الحرب، تراجعت قدرة المجتمع على التعافي، وتعمّقت الكراهية، وتصلّبت المواقف.










