في خطوة جديدة تعكس تسارع سياسة فرض الأمر الواقع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، واصل مستوطنون، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، توسيع البؤرة الاستيطانية المقامة في منطقة عش غراب شرق مدينة بيت ساحور التابعة لمحافظة بيت لحم، من خلال نصب مزيد من البيوت المتنقلة على أراضي المواطنين الفلسطينيين، في تطور يُنذر بتغيير جذري في معالم المنطقة وطبيعتها الجغرافية والديموغرافية.
منطقة استراتيجية وأطماع استيطانية
وتُعد منطقة عش غراب من المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، لكونها تطل مباشرة على مدينة بيت ساحور وتشكل امتدادًا جغرافيًا حساسًا يربط بين عدة مستوطنات قائمة في محيط بيت لحم. ويرى مختصون أن السيطرة على هذه المنطقة تعني عمليًا خنق التوسع العمراني الفلسطيني شرق بيت لحم وقطع التواصل الجغرافي بين القرى والبلدات المجاورة.
وتضم المنطقة في الأصل قاعدة عسكرية صغيرة لجيش الاحتلال، وكانت قد خُصصت قبل نحو 15 عامًا لإقامة مشروع مستشفى للأطفال يخدم سكان محافظة بيت لحم، في محاولة لمعالجة النقص الحاد في الخدمات الصحية التخصصية في المنطقة. غير أن المشروع لم يرَ النور، وبقي حبيس الأدراج، في وقت بدأ فيه المستوطنون لاحقًا بالزحف التدريجي نحو المكان وإقامة بؤرة استيطانية أطلقوا عليها اسم "شديما".
من مشروع إنساني إلى بؤرة استيطانية
ويعكس هذا التحول من مشروع إنساني إلى مشروع استيطاني حجم السياسات الإسرائيلية القائمة على مصادرة الأراضي الفلسطينية وتغيير وجهتها بما يخدم التوسع الاستيطاني، على حساب الاحتياجات الأساسية للسكان الفلسطينيين.

ويقول مراقبون إن تعطيل مشروع المستشفى لم يكن صدفة، بل جاء في سياق سياسة ممنهجة لحرمان الفلسطينيين من تطوير بنيتهم التحتية، وترك الأراضي دون استثمار حقيقي، تمهيدًا للاستيلاء عليها لاحقًا تحت ذرائع أمنية أو استيطانية.
تصاعد الاستيطان شرق بيت لحم
وتشهد مناطق شرق مدينة بيت لحم تصاعدًا ملحوظًا في الأنشطة الاستيطانية خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال توسيع المستوطنات القائمة أو إقامة بؤر استيطانية جديدة تتحول تدريجيًا إلى تجمعات دائمة. ويأتي ذلك في إطار سياسة إسرائيلية معلنة تهدف إلى تعزيز السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، وتقطيع أوصال المدن والبلدات الفلسطينية.
وتشير معطيات فلسطينية رسمية إلى أن محافظة بيت لحم تُعد من أكثر المحافظات تضررًا من الاستيطان، حيث تحيط بها عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ما يقيّد نموها الطبيعي ويحوّلها إلى جزر معزولة محاطة بالطرق الالتفافية والحواجز العسكرية.
حماية عسكرية ودعم رسمي
ولم يكن ليتحقق هذا التوسع الاستيطاني لولا الحماية المباشرة التي توفرها قوات الاحتلال للمستوطنين، إذ رافقت الآليات العسكرية عملية نقل ونصب البيوت المتنقلة في عش غراب، ومنعت المواطنين الفلسطينيين من الاقتراب أو الاعتراض.
ويؤكد ناشطون أن هذا المشهد يتكرر في معظم مناطق الضفة الغربية، حيث تتحول قوات الاحتلال من جهة يُفترض بها حفظ الأمن وفق ادعاءاتها إلى طرف مباشر في عملية الاستيطان، من خلال توفير الغطاء الأمني واللوجستي للمستوطنين.
انعكاسات خطيرة على الأرض والسكان
ويحذر خبراء في شؤون الاستيطان من أن استمرار التوسع في عش غراب سيؤدي إلى نتائج خطيرة، ليس فقط على مستوى مصادرة الأراضي، بل أيضًا على مستوى التركيبة السكانية والاقتصادية في المنطقة. فمع كل بؤرة استيطانية جديدة، تتقلص المساحات المتاحة للفلسطينيين للبناء والزراعة، وتزداد القيود على الحركة والتنقل.
كما أن وجود مستوطنة جديدة يعني بالضرورة مزيدًا من الحواجز والإغلاقات والطرق الالتفافية، ما سيضاعف من معاناة سكان بيت ساحور وبيت لحم، ويؤثر سلبًا على حياتهم اليومية.
خرق للقانون الدولي
من الناحية القانونية، يُجمع المجتمع الدولي على أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعي ويخالف اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. ورغم صدور عشرات القرارات الأممية التي تدين الاستيطان وتطالب بوقفه، فإن إسرائيل تواصل هذه السياسة دون رادع فعلي.
صمود شعبي في مواجهة الزحف الاستيطاني
في المقابل، يؤكد أهالي بيت ساحور وبيت لحم أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا الزحف الاستيطاني، وأنهم سيواصلون التحركات الشعبية والقانونية للدفاع عن أراضيهم، رغم إدراكهم لصعوبة المعركة في ظل اختلال ميزان القوة.
وتنظم الفعاليات الشعبية في المحافظة بشكل دوري وقفات احتجاجية وأنشطة ميدانية للتأكيد على التمسك بالأرض ورفض سياسة المصادرة والاستيطان، وسط دعوات لتفعيل المقاومة الشعبية السلمية وتوسيعها.
عش غراب… معركة على المستقبل
لم تعد قضية عش غراب مجرد خلاف على قطعة أرض، بل تحولت إلى رمز لمعركة أوسع على مستقبل الوجود الفلسطيني في شرق بيت لحم. فإما أن ينجح الاحتلال في فرض وقائع جديدة تكرّس التقسيم والعزل، أو يتمكن الفلسطينيون، بدعم عربي ودولي حقيقي، من وقف هذا التمدد والحفاظ على ما تبقى من أراضيهم.
وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو الصورة قاتمة، لكن التجربة الفلسطينية الطويلة تؤكد أن الصراع على الأرض لم يُحسم بعد، وأن كل بؤرة استيطانية جديدة ستبقى عنوانًا لمواجهة مفتوحة، عنوانها الأبرز: الأرض مقابل الاستيطان، والوجود مقابل الإلغاء.










