مع إعلان فشل المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية" قسد"، وعودة مظلوم عبدي، إلى مدينة الحسكة، يدخل المشهد السوري مرحلة حرجة، تزداد فيها تعقيدات تطبيق اتفاقيات الدمج بين القوات الكردية والدولة.
وبحسب المصادر، فإن الاجتماع كان يهدف إلى تثبيت تفاهم سياسي ـ أمني يشكّل مدخلًا لمعالجة ملف الحسكة ودمج “قسد” ضمن الإطار السيادي للدولة السورية، إلا أن مساره انتهى إلى فشل واضح، بعد تراجع مظلوم عبدي عن الاتفاقات التي جرى بحثها، ورفضه تقديم أي التزام عملي يمهّد لتنفيذها.
وأوضحت المصادر أن عبدي رفض بشكل صريح تولي منصب نائب وزير الدفاع، كما امتنع عن ترشيح أي اسم لمنصب محافظ الحسكة، وهي خطوة كانت مطروحة كإجراء رمزي وسياسي لفصل “قسد” تدريجيًا عن حزب العمال الكردستاني، وإعادة ربط المحافظة بمؤسسات الدولة.
الحسكة وسط ضغوط خارجية
وفقًا للمصادر نفسها، فإن مظلوم عبدي لم يكن صاحب القرار النهائي داخل الاجتماع، وظهر مترددًا وغير قادر على الحسم، نتيجة ضغوط مباشرة مارستها عليه قيادات حزب العمال الكردستاني، التي دفعته للتراجع عن الاتفاق الذي كان قد وقّعه مبدئيًا.
وتشير المعطيات إلى أن هذا الاتفاق جرى برعاية مباشرة من الزعيم السابق لإقليم كردستان العراق مسعود برزاني، الذي سعى إلى لعب دور ضامن إقليمي لتقريب وجهات النظر، وتحييد الحسكة عن صراع المشاريع العابرة للحدود. إلا أن هذه الرعاية لم تصمد أمام ثقل القرار الحزبي القادم من خارج الجغرافيا السورية.
هذا التداخل بين المحلي والخارجي أعاد إلى الواجهة الإشكالية الأساسية في ملف “قسد”، والمتمثلة في ازدواجية القرار، وغياب الاستقلال السياسي، ما يجعل أي تفاهم عرضة للانهيار في اللحظة التي تتعارض فيها مع مصالح الجهات العابرة للحدود.
نقطة الخلاف الأساسية
أبرز نقاط الخلاف تمثلت في طلب مظلوم عبدي الإبقاء على محافظة الحسكة تحت إدارة “قسد” خلال المرحلة الانتقالية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لاستكمال الاتفاق. غير أن هذا الطرح قوبل برفض حاسم من الرئيس أحمد الشرع، الذي اعتبر أن أي اتفاق لا يقوم على استعادة السيادة الكاملة للدولة لا يمكن البناء عليه.
وبحسب المصادر، فإن الرئيس الشرع شدد خلال الاجتماع على أن الحسكة تمثل خطًا سياديًا أحمر، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الإدارة الموازية أو النفوذ المؤقت، مؤكدًا أن الدولة لن تقبل بتكريس واقع منفصل تحت أي مسمى، سواء كان أمنيًا أو إداريًا.
هذا الموقف عكس توجهًا واضحًا بإنهاء سياسة التفاهمات الرمادية، والانتقال نحو مقاربة حاسمة تقوم على وضوح القرار لا تدويره.
مهلة مرفوضة
في محاولة أخيرة لكسب الوقت، طلب مظلوم عبدي مهلة مدتها خمسة أيام للتشاور مع قيادة “قسد”، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض. ووفق ما نقلته المصادر، فإن الرئيس الشرع أبلغه بضرورة تقديم جواب نهائي مع نهاية اليوم ذاته، دون أي تأجيل إضافي.
وأكدت المصادر أن الشرع أبلغ الحاضرين بشكل واضح أنه في حال عدم صدور موقف نهائي، فسيتم إبلاغ الأطراف الدولية بأن مظلوم عبدي انسحب من الاتفاق بإرادته، وأن الدولة السورية ستتجه لحسم ملف الحسكة بالقوة، باعتباره ملفًا سياديًا لا يقبل المماطلة أو الابتزاز السياسي.
ما بعد الانسحاب
هذا التطور أعاد الملف إلى نقطة الصدام المفتوح، بعد أن كانت المفاوضات تمثّل آخر نافذة سياسية قبل الانتقال إلى الخيارات الصلبة. فانسحاب عبدي من الاتفاق، تحت ضغط حزب العمال الكردستاني، لا يعكس فقط فشل اجتماع، بل يكشف حدود أي مسار تفاوضي لا يمتلك قراره المستقل.
الحسكة اليوم تقف أمام لحظة مفصلية: إما عودة كاملة إلى كنف الدولة السورية عبر تسوية واضحة المعالم، أو انتقال إلى مرحلة حسم ميداني تفرضها معادلة السيادة، في ظل تراجع فرص الوساطات، وتصاعد القناعة الرسمية بأن الوقت لم يعد يحتمل إدارة الأزمة، بل معالجتها جذريًا.
شكّل فشل الاجتماع الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات قسد مظلوم عبدي محطة مفصلية في مسار التفاهمات الهشّة داخل الجزيرة السورية، بعدما كان يُنظر إليه كفرصة لخفض منسوب التوتر وفتح نافذة سياسية ـ أمنية قابلة للبناء عليها. غير أن تراجع “قسد” عن التفاهمات التي طُرحت، بحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وسائل إعلام سورية، أعاد المشهد إلى نقطة الصفر، وبدّد سريعًا أجواء التفاؤل المحدودة التي رافقت اللقاء.
هذا الفشل لا يُقرأ بوصفه خلافًا تقنيًا حول بنود أو صلاحيات، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة المشروع السياسي في شرق الفرات، وحدود العلاقة مع الدولة السورية، وحجم التأثير الخارجي، ولا سيما الأمريكي، في توجيه القرار داخل “قسد”. فكلما اقتربت مسارات التفاهم من مستوى فعلي يهدد واقع النفوذ القائم، عادت الاعتراضات لتطيح بها من الداخل.
الحسكة تكشف تراجع الثقة
التراجع السريع عن التفاهمات خلق مناخًا من فقدان الثقة، ليس فقط بين الأطراف المتفاوضة، بل داخل البيئة المحلية في الجزيرة نفسها. فالعشائر العربية، التي كانت تترقب أي مسار يعيد التوازن السياسي والإداري، وجدت نفسها مرة أخرى أمام مشهد ضبابي، تتنازع فيه الوعود مع الوقائع، فيما تتكرّس حالة الانقسام والاحتقان الاجتماعي.
هذا التآكل في الثقة يزيد من هشاشة الاستقرار القائم، ويحوّل أي حادث أمني محدود إلى شرارة قابلة للتوسع. فالجزيرة السورية، بطبيعتها المعقّدة إثنيًا وعشائريًا، لا تحتمل فراغًا سياسيًا طويل الأمد، خصوصًا في ظل الضغوط المعيشية وتراجع الخدمات وتنامي الشعور بالتهميش.
سيناريو التصعيد
السيناريو الأول يتمثل في عودة التصعيد السياسي والميداني بشكل تدريجي. فمع انسداد الأفق التفاوضي، قد تتجه “قسد” إلى تشديد قبضتها الأمنية على الحسكة، خشية فقدان السيطرة، وهو ما قد يفاقم الاحتقان الشعبي ويؤدي إلى احتجاجات أو مواجهات محلية، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية.
ميدانيًا، يبقى خطر الاحتكاك في الحسكة قائمًا، سواء عبر عمليات أمنية متبادلة، أو عبر توظيف خلايا مسلحة لخلط الأوراق. وفي هذا السياق، تحذّر مصادر ميدانية من أن أي تصعيد محدود قد يتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع، في منطقة تعج بالسلاح، وتخضع لتقاطعات نفوذ متعددة، من أمريكا إلى أطراف إقليمية أخرى.
دور العامل الأمريكي
لا يمكن فصل هذا السيناريو عن الدور الأمريكي المباشر في الجزيرة السورية. فالوجود العسكري الأمريكي لم يكن يومًا عنصر استقرار بقدر ما كان أداة إدارة صراع. واشنطن، بحسب تقارير صحفية غربية، تفضّل إبقاء الوضع في حالة “لا حرب ولا سلم”، بما يسمح لها بالتحكم بالثروات النفطية واستخدامها كورقة ضغط سياسية.
من هذا المنطلق، فإن فشل المفاوضات يخدم، جزئيًا، هذا النهج، إذ يمنع أي تقارب فعلي يعيد المنطقة إلى السيادة الكاملة للدولة السورية، ويُبقي “قسد” في موقع الارتهان للدعم الخارجي، مهما كانت كلفته الداخلية.
سيناريو الاحتواء
في المقابل، يظل سيناريو الاحتواء قائمًا، وإن كان هشًا. هذا المسار يقوم على تجميد الخلافات بدل حلّها، عبر تفاهمات أمنية محدودة تمنع الانفجار الكبير، دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة. وقد تلجأ الأطراف إلى وساطات روسية أو محلية لإعادة فتح قنوات التواصل، ولو بصيغة غير معلنة.
هذا السيناريو لا يحقق استقرارًا حقيقيًا، لكنه قد يؤجل الصدام، خصوصًا إذا ترافق مع إجراءات تهدئة ميدانية، وتخفيف القبضة الأمنية، وإشراك جزئي للفعاليات العشائرية في إدارة بعض الملفات الخدمية.
الجزيرة بين خيارين
الجزيرة السورية اليوم تقف بين خيارين واضحين: إما تصعيد بطيء يتراكم حتى الانفجار، أو احتواء مؤقت يُدار بالأعصاب لا بالحلول. كلا الخيارين يحمل كلفة عالية على السكان، الذين باتوا رهائن لصراع الإرادات، وسط غياب مشروع وطني جامع يضع حدًا لحالة التشرذم.
فشل المفاوضات لم يكن نهاية المسار، لكنه كشف هشاشته وحدوده. وما لم يُعاد النظر جذريًا في طبيعة الترتيبات القائمة، ويُفكّ الارتهان للخارج، ستبقى الجزيرة السورية ساحة مفتوحة على الاحتمالات، حيث يُصنع الهدوء مؤقتًا، فيما يتراكم التوتر بصمت، بانتظار لحظة الانفجار التالية.










