شكّل التفجير الانتحاري الذي استهدف فندقًا في العاصمة الأفغانية كابل، وتبنّاه تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية خراسان (داعش–خراسان)، مؤشرًا خطيرًا على تصاعد التهديدات الأمنية في أفغانستان، وعلى عودة التنظيمات المسلحة إلى واجهة المشهد، رغم مرور أكثر من أربع سنوات على سيطرة حركة طالبان على الحكم.
الهجوم، الذي وقع في حي «شهر نو» الراقي، أحد أكثر أحياء كابل تحصينًا وحضورًا للأجانب، أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة طالبان على فرض الأمن، وحول مستقبل الاستقرار في البلاد، في ظل تنامي نشاط الجماعات المتشددة، وعلى رأسها داعش–خراسان.
ماذا حدث في فندق كابل؟ تفاصيل الهجوم الانتحاري
في 19 يناير 2026، فجّر انتحاري نفسه بواسطة سترة ناسفة داخل فندق يقع في حي شهر نو بالعاصمة كابل، وهو فندق معروف باستقباله أجانب ورجال أعمال، ويضم مطعمًا صينيًا يُعد نقطة جذب للرعايا الصينيين المقيمين أو الزائرين لأفغانستان.
أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 7 أشخاص، بينهم مواطنان صينيان، وإصابة عدد آخر بجروح متفاوتة. ووقع الانفجار داخل المطعم الصيني في الفندق، ما زاد من حجم الخسائر البشرية، وأكّد الطابع المتعمد لاختيار الهدف.
وسرعان ما أعلن تنظيم داعش–خراسان مسؤوليته عن العملية عبر وكالة «أعماق» التابعة له، معتبرًا الهجوم «انتقامًا» من الصين بسبب ما وصفه بـ«اضطهاد المسلمين الإيغور»، ومقدمًا العملية باعتبارها جزءًا من حملة أوسع ضد النفوذ الأجنبي في أفغانستان.
اختيار محسوب ورسالة متعددة الأبعاد
لم يكن استهداف رعايا صينيين في كابل حدثًا معزولًا، بل يأتي ضمن نمط متكرر انتهجه تنظيم داعش–خراسان خلال السنوات الأخيرة. ففي ديسمبر 2022، نفّذ التنظيم هجومًا مشابهًا استهدف فندقًا آخر في كابل كان يستضيف رجال أعمال صينيين، وأسفر حينها عن سقوط ضحايا.
وتكشف هذه الهجمات عن استراتيجية واضحة تهدف إلى ضرب المصالح الصينية في أفغانستان، في وقت تسعى فيه بكين إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستثماري في البلاد، خصوصًا في قطاعات المعادن النادرة، والبنية التحتية، والطاقة، ضمن مقاربة براغماتية للتعامل مع سلطة طالبان.
وبهذا المعنى، يسعى داعش–خراسان إلى توجيه ضربة مزدوجة: الأولى إلى الصين، باعتبارها «قوة كافرة» وفق أدبياته، والثانية إلى طالبان، عبر تقويض تعهداتها بتوفير الأمن للأجانب وحماية الاستثمارات.


المشهد الأمني بعد طالبان: سيطرة هشة وتحديات متراكمة
منذ عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، شهدت أفغانستان مشهدًا أمنيًا معقدًا ومتغيرًا. فبينما نجحت الحركة في تحجيم جماعات مسلحة أخرى مثل «جبهة المقاومة الوطنية»، فإنها فشلت في القضاء على التهديد المتصاعد الذي يمثله تنظيم داعش–خراسان.
وتشير وتيرة العمليات ونوعيتها إلى أن التنظيم استطاع إعادة تنظيم صفوفه، مستفيدًا من الثغرات الأمنية، ومن حالة الإقصاء السياسي والاجتماعي التي تعاني منها شرائح واسعة داخل المجتمع الأفغاني.
تحولات تكتيكية: من الأطراف إلى قلب المدن
أحد أبرز ملامح عودة التنظيمات المسلحة يتمثل في انتقال داعش–خراسان من العمل في المناطق الريفية والنائية، إلى تنفيذ هجمات نوعية داخل المدن الكبرى، وفي مقدمتها كابل.
يعتمد التنظيم على تكتيكات حرب المدن، مستهدفًا مناطق دبلوماسية، ومنشآت يرتادها أجانب، وأقليات دينية، بهدف تحقيق أعلى قدر من الصدى الإعلامي، وإظهار عجز طالبان عن السيطرة الكاملة على المشهد الأمني.
ثغرات استخباراتية وعجز بنيوي في منظومة الأمن
رغم تأكيدات طالبان المتكررة بأنها نجحت في فرض الأمن، فإن دقة الهجمات وتكرارها يكشفان عن خلل عميق في المنظومة الاستخباراتية. فالحركة تفتقر إلى الخبرة المؤسسية في مكافحة الإرهاب، كما أن إقصاء عناصر الاستخبارات التابعة للنظام السابق أفرغ الأجهزة الأمنية من كوادر مدربة تمتلك خبرات تراكمية مهمة.
وتبدو طالبان عاجزة حتى الآن عن بناء جهاز أمني محترف قادر على اختراق التنظيمات المسلحة، ورصد تحركاتها قبل تنفيذ الهجمات.
صراعات إقليمية وشبهات تدخل خارجي
في موازاة ذلك، برزت تقارير إعلامية، لا سيما في وسائل إعلام باكستانية وإيرانية، تتحدث عن شبهات تورط أجهزة استخبارات أجنبية في تغذية نشاط داعش–خراسان، من بينها اتهامات موجهة إلى جهاز الاستخبارات الهندي (RAW).
ورغم أن هذه الاتهامات تبقى غير مثبتة وتحمل أبعادًا سياسية واضحة، فإنها تعكس حجم التداخل بين الساحة الأفغانية وصراعات النفوذ الإقليمي، وتحول البلاد إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات الجيوسياسية.
أفغانستان على مفترق طرق أمني
يعكس تفجير فندق كابل واقعًا أمنيًا هشًا، تتحول فيه أفغانستان مجددًا إلى ساحة صراع أيديولوجي وأمني، مع استغلال داعش–خراسان محدودية شرعية طالبان وضعف قدراتها الإدارية والعسكرية.
ويمثل استمرار هذا الوضع تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي، ولأي مساعٍ لجذب استثمارات أجنبية، خصوصًا من دول مثل الصين، التي تربط انخراطها الاقتصادي بتوافر حد أدنى من الأمن.
هل تعود أفغانستان إلى دوامة الفوضى؟
تشير التطورات الميدانية إلى أن أفغانستان تقف أمام اختبار حاسم. فإما أن تنجح طالبان في تطوير جهاز أمني أكثر مهنية وشمولًا، من خلال التعاون الإقليمي والانفتاح المحدود على المجتمع الدولي، أو أن تستمر التنظيمات المسلحة، وعلى رأسها داعش–خراسان، في توسيع نفوذها، ما قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف المزمن والعزلة الدولية، ويحوّلها مجددًا إلى بؤرة تهديد للأمن الإقليمي والدولي.










