تتواصل، منذ أسابيع، العراقيل المفروضة أمام دخول لجنة إدارة غزة إلى القطاع، في وقت يُفترض فيه أن تشكّل هذه اللجنة أحد المفاتيح الأساسية لتنظيم المرحلة الإنسانية والإدارية بعد وقف إطلاق النار.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن المنع لا يرتبط بإجراءات لوجستية أو أمنية كما يروّج الاحتلال الإسرائيلي، بل يأتي في إطار قرار سياسي واضح يهدف إلى تعطيل أي بنية إدارية فلسطينية قد تُكرّس واقعًا مغايرًا لمعادلة السيطرة بالقوة.
وتشير المصادر إلى أن الاحتلال يتعامل مع أي وجود إداري منظم في غزة باعتباره تهديدًا استراتيجيًا، لأنه يسحب من يده ورقة الفوضى الإنسانية التي يستخدمها للضغط والابتزاز. ومن هنا، تبدو عرقلة اللجنة خطوة محسوبة لإبقاء القطاع بلا مرجعية واضحة، وبلا عنوان سياسي يمكن للمجتمع الدولي التعامل معه.
غزة تداعيات إنسانية تتعمق
إن منع لجنة إدارة غزة من أداء مهامها لا ينعكس فقط على المسار السياسي، بل يترك آثارًا مباشرة وخطيرة على الواقع الإنساني. فغياب جهة تنسيقية مركزية يُعقّد دخول المساعدات، ويُربك عمل المنظمات الدولية، ويُبقي ملف الإغاثة خاضعًا لسيطرة الاحتلال وموافقاته المتقطعة.
وبحسب تقارير أممية، فإن استمرار هذا الفراغ الإداري يؤدي إلى هدر جزء كبير من المساعدات، وتأخير توزيعها، ويُضاعف معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت حصار خانق منذ سنوات، وتحت حرب إبادة متواصلة منذ أكتوبر 2023. وتؤكد منظمات إنسانية أن أي مسار إغاثي بلا إدارة محلية فاعلة سيظل محدود الأثر وعرضة للانهيار في أي لحظة.
إفراغ المسارات الدولية من مضمونها
يرى محللون أن عرقلة لجنة إدارة غزة تمثل محاولة إسرائيلية واضحة لإفراغ أي مسار دولي من مضمونه، قبل أن يتحول إلى واقع ملزم. فالاحتلال يدرك أن نجاح أي نموذج إداري أو إنساني مستقل في غزة سيضعه أمام مساءلة سياسية وقانونية، ويُضعف سرديته القائمة على “غياب الشريك” و”الفوضى الأمنية”.
وبحسب تقديرات سياسية، فإن تل أبيب تسعى إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه الذي رافق سنوات الحصار، حيث تُدار غزة كملف أمني فقط، لا كقضية سياسية وإنسانية، مع ضمان استمرار الدور الأمريكي في توفير الغطاء الدبلوماسي ومنع أي ضغط حقيقي داخل مجلس الأمن أو المؤسسات الدولية.
مجلس السلام تحت الحرب
في موازاة ذلك، يواجه مشروع “مجلس السلام” لغزة مستقبلًا شديد الضبابية، في ظل القصف المستمر، ورفض أطراف دولية الانخراط الفعلي فيه، بذريعة “غياب الظروف المناسبة”. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن بعض الدول تخشى من الدخول في مسار قد يصطدم مباشرة بإسرائيل، أو يُفسَّر كاعتراف ضمني بكيان إداري فلسطيني مستقل داخل القطاع.
ويُضاف إلى ذلك أن استمرار العدوان يُفرغ أي حديث عن السلام من مضمونه الواقعي، إذ لا يمكن بناء مؤسسات أو مجالس أو هياكل سياسية في ظل القصف، والنزوح، وانهيار البنية التحتية. ويرى مراقبون أن الاحتلال يتعمد إبقاء الأجواء متفجرة لمنع انتقال غزة من مربع الحرب إلى مربع التسوية.
سيناريوهات مفتوحة
أمام هذا المشهد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار الفراغ الإداري، بما يعني تعميق الكارثة الإنسانية، وإطالة أمد الأزمة. أما السيناريو الثاني فيتمثل بمحاولة فرض إدارة مؤقتة برعاية دولية محدودة، لكنها ستبقى عاجزة ما لم تُنتزع موافقة الاحتلال أو يُفرض عليه مسار إلزامي.
أما السيناريو الأخطر، فيكمن في سعي الاحتلال إلى فرض ترتيبات أحادية الجانب، تُدار فيها غزة أمنيًا دون أي أفق سياسي، بما يحوّل القطاع إلى مساحة معزولة دائمة، تُستخدم كورقة ضغط إقليمية، لا كجزء من قضية تحرر وطني.










