أثار إقدام الاحتلال الإسرائيلي على هدم منشآت تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية المحتلة موجة واسعة من ردود الفعل العربية، التي اعتبرت الخطوة تصعيدًا خطيرًا يستهدف الوجود الدولي في المدينة، ومحاولة مباشرة لفرض وقائع جديدة على الأرض بقوة الجرافات.
وأدانت عدة دول عربية، في بيانات رسمية، ما وصفته بـ"الاعتداء السافر" على مؤسسة أممية تتمتع بالحصانة القانونية، مؤكدة أن استهداف منشآت الأونروا يشكل انتهاكًا واضحًا لالتزامات الاحتلال كقوة قائمة بالاحتلال. وشددت هذه المواقف على أن ما يجري في القدس الشرقية لا يمكن فصله عن سياسة تهويد ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني والمؤسسات الدولية على حد سواء.
كما طالبت أطراف عربية بتحرك عاجل داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، محذّرة من أن الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر للاستمرار في تقويض الوضع القانوني والتاريخي للقدس.
مواقف دولية قلقة من هدم الأونروا
دوليًا، عبّرت عدة عواصم أوروبية عن قلقها البالغ من هدم منشآت الأونروا، معتبرة أن الخطوة تمثل سابقة خطيرة تمس عمل منظمة إنسانية أُنشئت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبحسب بيانات دبلوماسية، فإن بعض الدول رأت في هذه الإجراءات محاولة إسرائيلية لتقويض دور الوكالة تمهيدًا لإنهاء ملف اللاجئين سياسيًا، لا إنسانيًا.
من جهتها، أكدت وكالة الأونروا أن الوجود الإسرائيلي في القدس الشرقية غير قانوني بموجب القانون الدولي، مشددة على أن منشآتها تتمتع بحماية كاملة باعتبارها مرافق أممية، وأن استهدافها يشكل خرقًا صريحًا لاتفاقيات الأمم المتحدة، واتفاقية امتيازات وحصانات المنظمة الدولية.
وأوضح مسؤولون في الوكالة أن ما يجري لا يندرج ضمن نزاع إداري أو بلدي، بل هو صراع على الشرعية، ومحاولة إسرائيلية لطرد أي شاهد دولي من المدينة المحتلة.
البعد القانوني الدولي لهدم الأونروا
من الناحية القانونية، يُعد هدم منشآت الأونروا في القدس الشرقية انتهاكًا مزدوجًا: الأول باعتباره اعتداءً على ممتلكات تابعة للأمم المتحدة، والثاني لكونه يتم في أرض محتلة تخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات أو تغيير الطابع القانوني والإداري للأراضي المحتلة.
ويؤكد خبراء قانون دولي أن القدس الشرقية تُعد، وفق قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، أرضًا محتلة، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية فيها — بما في ذلك الهدم والمصادرة — تُعتبر لاغية وباطلة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني.
كما أن استهداف منشآت الأونروا يمس مباشرة بقرارات أممية أسست لعمل الوكالة منذ عام 1949، ما يضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع النظام الدولي نفسه، لا مع الفلسطينيين فقط.
ويرى مراقبون أن هدم منشآت الوكالة ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تفريغ القدس من أي حضور دولي محايد، تمهيدًا لفرض سيادة إسرائيلية كاملة بالقوة، في تحدٍ مباشر للإجماع الدولي.
معركة شرعية لا جرافات فقط
في المحصلة، يتجاوز هدم منشآت الأونروا كونه إجراءً ميدانيًا، ليشكّل معركة مفتوحة على مفهوم الشرعية الدولية ذاته. فحين تُستهدف مؤسسة أممية داخل أرض محتلة، ويُقابل ذلك ببيانات قلق دون إجراءات رادعة، يصبح القانون الدولي نفسه على المحك.
وتبقى القدس، مرة أخرى، ساحة مواجهة بين منطق القوة ومنطق القانون، وبين احتلال يسعى لطمس الشهود، ومجتمع دولي عاجز حتى الآن عن حماية مؤسساته، قبل أن يحمي شعبًا يخضع للاحتلال منذ عقود.
المواقف العربية :تحذير من التصعيد
جاءت ردود الفعل العربية على هدم منشآت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس الشرقية متقاربة في لهجتها، وإن اختلفت في مستوى التصعيد السياسي، حيث اعتبرت غالبية الدول العربية أن ما جرى يمثل اعتداءً مباشرًا على الشرعية الدولية وعلى الوضع القانوني للقدس المحتلة.
مصر
أكدت القاهرة أن استهداف منشآت أممية في القدس الشرقية يشكّل خرقًا خطيرًا للقانون الدولي، وانتهاكًا لالتزامات الاحتلال بصفته قوة قائمة بالاحتلال، محذّرة من أن هذه الخطوات تُقوّض أي فرص للتهدئة أو استئناف المسار السياسي. كما شددت على أن القدس الشرقية أرض محتلة لا يجوز تغيير معالمها أو تركيبتها الديمغرافية.
الأردن
بصفته صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، اعتبر الأردن أن هدم منشآت الأونروا يشكّل تصعيدًا خطيرًا يستهدف الوجود الدولي في المدينة، وانتهاكًا مباشرًا لقرارات مجلس الأمن، لا سيما تلك التي تؤكد بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية.
السعودية
أدانت الرياض الخطوة ووصفتها بأنها امتداد لسياسات التهويد، مؤكدة أن استهداف الأونروا يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، داعية المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته وعدم الاكتفاء ببيانات القلق.
قطر
رأت الدوحة أن هدم منشآت الوكالة الأممية يُعدّ تحديًا سافرًا للأمم المتحدة، ومحاولة لإسكات أي شاهد دولي على الجرائم والانتهاكات في القدس، مؤكدة أن استمرار الصمت الدولي يشجع الاحتلال على المضي في سياساته العدوانية.
الجزائر
تبنّت الجزائر موقفًا حادًّا، معتبرة ما جرى جريمة مكتملة الأركان بحق مؤسسة دولية، ومشددة على ضرورة نقل الملف إلى مجلس الأمن والجمعية العامة، وعدم الاكتفاء بالإدانة الإعلامية.
المواقف الدولية
الاتحاد الأوروبي
أعرب الاتحاد الأوروبي عن “قلقه البالغ” من هدم منشآت الأونروا، مؤكدًا أن الوكالة تلعب دورًا لا غنى عنه في دعم اللاجئين الفلسطينيين، وأن استهداف منشآتها يعرّض الاستقرار الإنساني في القدس للخطر. وأكد أن القدس الشرقية تُعد أرضًا محتلة وفق القانون الدولي.
فرنسا
شددت باريس على أن منشآت الأونروا تتمتع بحماية دولية، وأن أي إجراء إسرائيلي بحقها غير قانوني، داعية إلى احترام الوضع التاريخي والقانوني للقدس، لكنها لم تُلوّح بإجراءات عقابية.
ألمانيا
عبّرت برلين عن قلقها من الخطوة، مؤكدة دعمها لاستمرار عمل الأونروا، لكنها التزمت خطابًا دبلوماسيًا حذرًا، ركّز على “ضرورة خفض التصعيد” دون توجيه إدانة سياسية مباشرة للاحتلال.
روسيا
اعتبرت موسكو أن هدم منشآت الأونروا يمثل انتهاكًا واضحًا لقرارات الأمم المتحدة، وحذّرت من أن المساس بالمؤسسات الدولية في القدس قد يؤدي إلى انفجار شامل في الأوضاع الإقليمية.
الصين
أكدت بكين أن القدس الشرقية أرض محتلة، وأن جميع الإجراءات الإسرائيلية فيها غير شرعية، داعية إلى احترام القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، ومشددة على ضرورة حماية عمل المنظمات الأممية.
الولايات المتحدة
اكتفت واشنطن بتصريحات عامة دعت فيها إلى “ضبط النفس” و”احترام القوانين”، دون إدانة صريحة للهدم، ما اعتُبر عمليًا غطاءً سياسيًا غير مباشر للاحتلال، وانسجامًا مع دورها التقليدي في تعطيل أي محاسبة حقيقية داخل المؤسسات الدولية.










