الضفة الغربية تشتعل غضباً ضد “الأونروا”: احتجاجات واسعة ترفض سياسة "خنق" المخيمات وتقليص الخدمات
شهدت مدن ومخيمات الضفة الغربية، اليوم الخميس، موجة من الاحتجاجات العارمة والوقفات المتزامنة التي عكست حجم الاحتقان الشعبي ضد السياسات الأخيرة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”.
وتأتي هذه التحركات رفضاً قاطعاً لسياسة التقليصات والخصومات المالية التي انتهجتها إدارة الوكالة مؤخراً، والتي تضمنت إجراءات قاسية شملت فصل مئات الموظفين واقتطاع أجزاء من الرواتب، مما يهدد بتوقف الخدمات الأساسية في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، ويزيد من الأعباء المعيشية على كاهل اللاجئين في ظل ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد.
انتفاضة مخيم بيرزيت
في مخيم "بيرزيت"، تحولت اللجنة الشعبية لخدمات المخيم إلى ساحة للاحتجاج، حيث نظمت وقفة رمزية حاشدة ضمت ممثلين عن الفعاليات الشعبية وأهالي الطلاب.
ورفع المشاركون يافطات تندد بما وصفوه بـ"سياسة التجويع الممنهج"، مؤكدين أن المساس بحقوق الموظفين هو مساس مباشر بمستقبل أبنائهم. وفي هذا السياق، صرحت سارة أبو عمر، رئيسة مجلس أولياء الأمور في مدرسة بيرزيت التابعة للوكالة، بأن هذه الوقفة تمثل رسالة واضحة لإدارة "الأونروا" بأن المعلم هو الركيزة الأساسية للمجتمع ولا يمكن القبول بالمساس بلقمة عيشه.
وأوضحت أن الخصومات المالية الأخيرة أثرت سلباً على الروح المعنوية للمعلمين، وهو ما ينعكس بشكل مباشر وخطير على جودة العملية التعليمية والقدرة على اتخاذ قرارات إدارية سليمة داخل المدارس.
معاناة النزوح تضاعفها "سياط" التقليصات
لم يكن المشهد في مدينة "طولكرم" أقل حدة، حيث تجمع العشرات أمام مبنى السرايا العثمانية في تظاهرة غاضبة رفعت شعارات تطالب الوكالة بالوفاء بالتزاماتها القانونية والأخلاقية. وأكد فيصل سلامة، رئيس اللجنة الشعبية في مخيم "نور شمس"، أن توقيت هذه التقليصات يعد "طعنة في الظهر"، خاصة وأن المخيمات تعاني أصلاً من آثار النزوح والتهجير الأخير الذي طال مناطق نور شمس وطولكرم وجنين.
الضفة الغربية تشتعل غضباً ضد “الأونروا”: احتجاجات واسعة ترفض سياسة "خنق" المخيمات وتقليص الخدمات
وكشف سلامة عن أرقام صادمة، حيث قامت الوكالة بفصل نحو 650 موظفاً، وخصمت 20% من رواتب آخرين، بالإضافة إلى إيقاف عقود العمل المؤقتة وعدم ملء الشواغر الناتجة عن التقاعد أو الوفاة، مما أدى إلى ترهل الخدمات وزيادة معدلات الفقر والبطالة داخل المخيمات.
خدمات صحية وتعليمية في مهب الريح
من جانبها، عبّرت الناشطة المجتمعية نهاية الجندي، من مخيم نور شمس، عن الحالة المأساوية التي وصلت إليها قطاعات اللاجئين، مؤكدة أن هذه الاحتجاجات تمثل صرخة جماعية لكل الفئات المهمشة.
وأشارت الجندي إلى أن سياسة "الأونروا" الجديدة طالت عمق الخدمات الصحية والتعليمية، عبر تقليص ساعات العمل وإقصاء الكفاءات الوظيفية. كما تطرقت إلى قضية إنسانية شائكة تتعلق بالعائلات التي نزحت من مخيمات طولكرم إلى القرى المجاورة، حيث بات أبناؤهم يواجهون صعوبات بالغة في الوصول إلى مدارس الوكالة بسبب البعد الجغرافي وغياب وسائل النقل المؤمنة من قبل "الأونروا"، مما يهدد بتسرب دراسي واسع النطاق بين أبناء المهجرين.
دلالات التوقيت
تكتسب هذه الاحتجاجات أهمية خاصة كونها تتزامن مع مرور عام كامل على عمليات التهجير القسري التي تعرض لها سكان مخيمات شمال الضفة الغربية، وهي الفترة التي شهدت تشتيتاً للعائلات وتدميراً واسعاً للبنية التحتية.
ويرى المحللون أن إجراءات "الأونروا" في هذا التوقيت بالذات تعزز المخاوف من وجود مخططات سياسية لإنهاء دور الوكالة وتصفية قضية اللاجئين عبر بوابة "الضائقة المالية". ويطالب المحتجون الوكالة الدولية بالتراجع الفوري عن كافة قرارات الفصل والخصم، والبحث عن مصادر تمويل مستدامة لا تكون على حساب الحقوق الأساسية للاجئ الفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة حصار اقتصادي وسياسي خانق.
مستقبل الأزمة
بناءً على المعطيات الميدانية، يبدو أن الضفة الغربية تتجه نحو تصعيد نقابي وشعبي غير مسبوق ضد إدارة "الأونروا". ففي ظل غياب الحوار الجاد وتمسك الوكالة بموقفها المالي المتشدد، لوحت اللجان الشعبية واتحادات الموظفين باتخاذ خطوات احتجاجية أكثر قسوة قد تصل إلى الإضراب الشامل وإغلاق المقرات الرئيسية للوكالة.
إن الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي والمفوض العام للأونروا للتدخل السريع واحتواء الأزمة قبل انفجارها، وضمان استمرار تقديم الخدمات الإغاثية والتشغيلية التي تمثل "شريان الحياة" الوحيد لملايين اللاجئين الذين لا يزالون يتمسكون بحقهم في العودة والعيش بكرامة فوق أرضهم.










