الأمم المتحدة تجدد تحذيراتها: الاستيطان غير قانوني ويقوض فرص السلام المفقود
تعيش محافظات الضفة الغربية المحتلة في مطلع عام 2026 فصلاً جديداً ومرعباً من فصول العنف المنظم الذي تمارسه عصابات المستوطنين بتواطؤ وحماية مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وشهد مساء اليوم السبت سلسلة من الاعتداءات الوحشية التي استهدفت المدنيين الفلسطينيين في ممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، لا سيما في محافظات الخليل ونابلس ورام الله، ما أسفر عن وقوع إصابات متفاوتة وحالات اختناق جماعي وتدمير للممتلكات.
وتأتي هذه الهجمات المنسقة في إطار استراتيجية واضحة تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة "ج" ودفع المواطنين نحو الهجرة القسرية عبر تحويل حياتهم اليومية إلى جحيم مستمر.
حيث بات الفلاح الفلسطيني يواجه خطر الموت أو الإصابة لمجرد محاولته الوصول إلى أرضه أو رعاية ماشيته، في ظل صمت دولي مريب تجاه هذه الجرائم التي تضرب عرض الحائط بكافة المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
الخليل تحت وطأة العدوان
في محافظة الخليل، التي تعد بؤرة ملتهبة للاعتداءات الاستيطانية، أُصيب عدد من المواطنين الفلسطينيين بجروح ورضوض إثر هجوم غادر شنه مستوطنون متطرفون في منطقة "خلة النتش" بجبل جوهر شرق المدينة.
ولم يقتصر العدوان على جبل جوهر، بل امتد ليشمل منطقة "واد سعير" شمال شرق الخليل، حيث هاجم المستوطنون منازل المواطنين الآمنة وأغلقوا الشارع الرئيسي المؤدي إلى البلدة، ما تسبب في شلل تام لحركة المرور وترهيب العائلات، في خطوة تهدف إلى عزل البلدة وتقطيع أوصالها عن محيطها الجغرافي.
وفي بلدة "بيت أولا" شمال غرب الخليل، وتحديداً في منطقة "واد الرقاطي"، تعرض المواطنون لهجوم من مستوطنين مسلحين تحت حماية مشددة من جنود الاحتلال.
وصرح رئيس بلدية بيت أولا، عطية العدم، بأن قوات الاحتلال بدلاً من ردع المستوطنين، قامت بإطلاق قنابل الغاز السام بكثافة تجاه المواطنين الذين هبوا للدفاع عن أراضيهم قرب جدار الفصل العنصري، ما أدى إلى وقوع العديد من حالات الاختناق بين كبار السن والأطفال.
وفي بلدة "بيت أمر" جنوباً، واصلت قوات الاحتلال سياستها القمعية بمداهمة المنازل واعتقال فلسطيني وثلاثة من أبنائه، ونقلهم إلى معسكر "كرمي تسور" الجاثم فوق أراضي البلدة، في مؤشر واضح على تصعيد حملات الاعتقال العشوائي التي تهدف إلى كسر الروح النضالية لأبناء المحافظة وتوفير بيئة آمنة للتمدد الاستيطاني.
نابلس ورام الله: غاز سام وحصار عسكري يستهدف الأحياء السكنية
لم يكن الوضع في محافظتي نابلس ورام الله بأقل حدة، حيث واصلت آلة القمع الإسرائيلية اقتحام القرى والبلدات وإمطارها بقنابل الغاز والصوت. ففي قرية "تل" غرب نابلس، أصيب أكثر من سبعة مواطنين بحالات اختناق شديدة خلال اقتحام قوات الاحتلال للقرية، حيث تعمد الجنود إطلاق قنابل الغاز السام وسط الأحياء السكنية المكتظة.
وتكرر المشهد ذاته في قرية "اللبن الشرقية" جنوب نابلس، حيث تمركزت قوات الاحتلال وسط القرية وأطلقت قنابل الغاز والصوت بكثافة تجاه المحلات التجارية والمنازل، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين بالاختناق وإجبار التجار على إغلاق محلاتهم، وهو ما يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي التي تهدف إلى ضرب الاقتصاد المحلي الفلسطيني وزعزعة الاستقرار الاجتماعي في الريف النابلسي.
أما في محافظة رام الله، فقد اقتحمت قوات الاحتلال قرية "عين قينيا" غرب المدينة، ونفذت عمليات تفتيش دقيقة ومهينة لمنازل المواطنين، تعود لكل من جميل يعقوب وأحمد عبد الله السوقي، ما تسبب في حالة من الرعب بين سكان تلك المنازل.
وقامت قوات الاحتلال بنصب حاجز عسكري وسط القرية واحتجاز عدد من المركبات والتدقيق في هويات الركاب، ما أدى إلى إعاقة حركة المرور لساعات طويلة.
هذه الاقتحامات والتحركات العسكرية المتزامنة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية تؤكد وجود قرار أمني إسرائيلي بتصعيد الضغط على الفلسطينيين وتوفير الغطاء الكامل للمستوطنين لتنفيذ أجندتهم في السيطرة على الطرق الحيوية والمساحات المفتوحة بين المدن الفلسطينية الكبرى.
إحصائيات مرعبة
تعكس الأرقام الصادرة عن جهات رسمية فلسطينية حجماً مخيفاً من الانتهاكات التي لم تعد مجرد أحداث عشوائية، بل هي "إرهاب دولة" منظم. فوفقاً لمعطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفذ المستوطنون نحو 4723 اعتداءً موثقاً في مختلف مناطق الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده.
هذه الاعتداءات لم تكن بلا ثمن دموي، إذ أسفرت عن استشهاد 14 فلسطينياً بنيران المستوطنين وجيش الاحتلال، إضافة إلى التطهير العرقي الصامت الذي أدى إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً يضم 1090 شخصاً أُجبروا على ترك أراضيهم ومراعي أبائهم وأجدادهم تحت وطأة التهديد والترهيب.
إن هذا النزيف البشري والجغرافي يأتي في ظل تزايد عدد المستوطنين الذين ناهز عددهم نهاية عام 2024 نحو 770 ألف مستوطن، ينتشرون في أكثر من 180 مستوطنة رسمية و256 بؤرة استيطانية "رعوية" وعسكرية تنهش جسد الضفة الغربية.
القانون الدولي في مواجهة الاستيطان
رغم التأكيدات المتكررة من منظمة الأمم المتحدة بأن كافة الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، هي أنشطة غير قانونية وتعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، إلا أن سلطات الاحتلال تواصل تحدي الإرادة الدولية. وتعتبر الأمم المتحدة أن الاستيطان هو العقبة الرئيسية أمام تحقيق "حل الدولتين" وأنه يقوض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافياً.
ومع ذلك، فإن غياب الآليات الرادعة والمحاسبة الدولية الفعلية شجع الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين على المضي قدماً في سياسة "فرض الأمر الواقع" وتغيير المعالم الديموغرافية والجغرافية للضفة الغربية.
إن الاعتداءات التي شهدتها الخليل ونابلس ورام الله اليوم هي تجسيد ميداني لهذا التحدي، حيث يُترك المواطن الفلسطيني وحيداً في مواجهة ترسانة عسكرية ومستوطنين مدججين بالسلاح والأيديولوجيا الإحلالية.










