4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الإدارة المدنية في غزة بين الرفض الفلسطيني والمخطط الإسرائيلي

مع تراجع وتيرة العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، انتقلت إسرائيل تدريجيًا من منطق “إدارة الحرب” إلى هندسة ما تسميه مرحلة ما بعد الحرب

بقلم: سماح عثمان
٢٥ يناير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
7 مشاهدة
الإدارة المدنية في غزة بين الرفض الفلسطيني والمخطط الإسرائيلي

الإدارة المدنية في غزة بين الرفض الفلسطيني والمخطط الإسرائيلي

مع تراجع وتيرة العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، انتقلت إسرائيل تدريجيًا من منطق “إدارة الحرب” إلى هندسة ما تسميه مرحلة ما بعد الحرب. لم يعد السؤال المركزي داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية مرتبطًا بقدرات حماس العسكرية فقط، بل بات يتمحور حول مستقبل القطاع سياسيًا وإداريًا، ومن سيتولى السيطرة عليه بعد انتهاء العمليات.

في هذا السياق، تكثفت اجتماعات الكابينت السياسي–الأمني، بالتوازي مع تسريبات إعلامية وتقارير استخبارية تحدثت عن دعم مجموعات محلية داخل غزة، في محاولة لخلق بدائل حكم ميدانية، تمهيدًا لفرض نموذج “الإدارة المدنية” كأمر واقع.

أولًا: استراتيجية “ما بعد الحرب”

تعكس النقاشات الإسرائيلية الجارية قناعة متزايدة بأن الحرب، مهما امتدت، لن تُنهي حضور حماس سياسيًا أو اجتماعيًا ما لم تُستكمل بخطة حكم بديلة داخل غزة.

وعليه، تقوم استراتيجية “ما بعد الحرب” على ثلاثة أهداف رئيسية:

منع عودة حماس للحكم حتى لو بقيت موجودة تنظيميًا.

فصل غزة سياسيًا عن الضفة الغربية لإجهاض أي مسار نحو دولة فلسطينية موحدة.

تحويل القطاع إلى كيان إداري منزوع السيادة يعتمد على المساعدات والرقابة الأمنية.

ثانيًا: الكابينت الإسرائيلي… توافق على الهدف وخلاف على الوسيلة

تكشف التسريبات المتكررة من اجتماعات الكابينت عن توافق مبدئي على منع أي عودة لحكم حماس، يقابله انقسام حاد حول آلية التنفيذ.

1. اليمين المتطرف: إدارة إسرائيلية مباشرة

يدعو وزراء اليمين إلى:إعادة الاحتلال الأمني الكامل، إنشاء إدارة مدنية إسرائيلية شبيهة بفترة ما قبل الانسحاب عام 2005، أو السيطرة المباشرة على المعابر والموارد.

غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضًا من الجيش الذي يحذر من: استنزاف طويل الأمد، وخسائر بشرية متواصلة تحوّل غزة إلى عبء أمني دائم.

2. المؤسسة الأمنية

يميل قادة الجيش والشاباك إلى نموذج أقل كلفة يقوم على: إدارات محلية فلسطينية و ضبط أمني غير مباشر أو تدخل إسرائيلي عند الحاجة فقط.

هذا النموذج هو الذي أعاد إلى الواجهة مصطلح “الإدارة المدنية” بصيغته الجديدة.

ثالثًا: تقارير دعم مجموعات محلية… هندسة بدائل من الداخل

الأخطر في استراتيجية ما بعد الحرب يتمثل في ما كشفته تقارير إسرائيلية وغربية عن محاولات دعم مجموعات محلية داخل غزة، سواء عبر: تسهيلات أمنية محددة، قنوات اتصال غير معلنة، دعم لوجستي أو مالي غير مباشر.

الهدف المعلن هو “منع الفراغ”، أما الهدف الحقيقي فيكمن في:

إيجاد قيادات ميدانية غير مرتبطة بحماس.

تفكيك البنية الاجتماعية الحاضنة للمقاومة.

خلق صراع داخلي فلسطيني يُخفف الضغط عن الاحتلال.

هذه المقاربة تعيد إنتاج نموذج “روابط القرى” في الضفة الغربية، والذي فشل تاريخيًا بسبب افتقاره للشرعية الشعبية وارتباطه المباشر بالاحتلال.

بمعنى آخر، تسعى إسرائيل لتحويل غزة إلى كيان وظيفي إنساني يعيش على المساعدات، بينما يُجرَّد من أي مضمون سياسي أو تحرري.

خامسًا: الرفض الفلسطيني… إجماع نادر في لحظة حرجة

على خلاف الكثير من الملفات، يبرز في هذا الملف إجماع فلسطيني شبه كامل على رفض نموذج الإدارة المدنية، لأسباب أبرزها:

نشأتها تحت الاحتلال.

استخدامها كأداة لتصفية القضية سياسيًا.

تكريس الانقسام بين غزة والضفة.

حتى القوى غير المنتمية لحماس ترى أن أي إدارة تُفرض دون توافق وطني شامل تمثل بوابة لفوضى داخلية وصدام مجتمعي خطير.

كما تخشى الأوساط الفلسطينية من أن يتحول هذا النموذج إلى مقدمة دائمة، لا مرحلة انتقالية، تُستبدل فيها الحقوق السياسية بالمساعدات الإنسانية.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال