في ميزان النفس والاجتماع.. لماذا يسقط الأطفال ضحايا للعنف الأسري في الجزائر؟
شهدت الساحة الاجتماعية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تصاعداً مقلقاً في ملفات "مقتل الأطفال"، وهي الظاهرة التي لم تعد تقتصر على حوادث الاختطاف التقليدية من قبل الغرباء، بل امتدت لتشمل جرائم مروعة تقع في قلب الدائرة الأسرية أو المحيط المقرب، وهو ما يفرض ضرورة الانتقال من التناول العاطفي والسطحي لهذه الجرائم إلى معالجة مهنية وبنيوية تشرّح الدوافع العميقة.
حيث يتقاطع في هذا الملف المعقد العامل النفسي المرتبط بالاضطرابات السلوكية وتدهور الصحة العقلية، مع العامل الاقتصادي المتمثل في ضغوط المعيشة وانسداد الآفاق المادية.
إن هذا التقرير يسعى إلى تسليط الضوء على هذه الزوايا غير المرئية التي تجعل من الطفل الحلقة الأضعف في صراعات البالغين أو ضحية مباشرة لانفجارات نفسية ناتجة عن تراكمات سوسيولوجية ومادية أخلّت بالتوازن التقليدي للأسرة الجزائرية.
الزاوية النفسية
تعتبر الزاوية النفسية المفتاح الأول لفهم مسببات جرائم قتل الأطفال، حيث يشير خبراء علم النفس في الجزائر إلى أن مرتكبي هذه الجرائم غالباً ما يعانون من اضطرابات شخصية حادة أو "ذهان" غير معالج، ناتج عن صدمات طفولية أو بيئات مشحونة بالعنف.
إن غياب الثقافة النفسية في المجتمع الجزائري يجعل من الصعب رصد العلامات التحذيرية لدى الأفراد الذين يظهرون ميولاً عدوانية تجاه القصر.
كما أن "الوصمة الاجتماعية" المرتبطة بزيارة العيادات النفسية تدفع الكثيرين إلى كبت اضطراباتهم حتى تصل إلى نقطة الانفجار التي قد تؤدي إلى إزهاق أرواح بريئة.
وفي حالات "القتل الأسري"، يظهر جلياً ما يسمى "العدوان المنقول"، حيث يفرغ الجاني إحباطاته وفشله الشخصي في كائن ضعيف لا يملك القدرة على المقاومة، مما يحول الطفل من رمز للمستقبل إلى كبش فداء لمشكلات نفسية عميقة لم تجد قنوات تصريف صحيحة داخل المؤسسات الاجتماعية أو الصحية.
الزاوية الاقتصادية
لا يمكن عزل الجريمة عن محيطها المادي، حيث تلعب الضغوط الاقتصادية في الجزائر دوراً بنيوياً في تهيئة المناخ لممارسة العنف ضد الأطفال، إن أزمات السكن الخانقة، والبطالة الهيكلية، وتآكل القدرة الشرائية، تخلق حالة من التوتر الدائم داخل البيوت الضيقة، مما يؤدي إلى تآكل الروابط العاطفية وبروز حالة من "النقمة الاجتماعية" التي قد تترجم إلى سلوكيات إجرامية.
وفي الكثير من الحالات التي رصدتها المحاكم الجزائرية، كان الفقر المدقع أو العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية محركاً غير مباشر للدخول في حالات اكتئاب حادة تنتهي بجرائم قتل وانتحار جماعي.
كما أن السعي وراء الربح السريع في بعض الأوساط الهامشية قد يدفع لاستغلال الأطفال في أنشطة خطيرة تنتهي بمقتلهم، مما يؤكد أن الاستقرار الاقتصادي ليس مجرد رفاهية، بل هو صمام أمان يحمي الطفولة من الانهيار الأخلاقي والسلوكي الذي يفرضه العوز المادي.
الزاوية الاجتماعية
يعيش المجتمع الجزائري مرحلة انتقالية كبرى أدت إلى تراجع دور "الأسرة الممتدة" التي كانت توفر حصانة ورقابة جماعية على الأطفال، وحلّت محلها "الأسرة النووية" التي قد تفتقر للخبرة أو الدعم في مواجهة الأزمات، هذا التحول البنيوي أدى إلى تزايد حالات الإهمال التي تعد المقدمة الأولى للقتل غير العمد أو الاستدراج الإجرامي.
كما أن انتشار المحتويات العنيفة عبر منصات التواصل الاجتماعي والولوج غير المراقب للفضاء الرقمي ساهم في خلق نماذج سلوكية غريبة عن القيم المحلية، ما زاد من تعقيد مهمة حماية الطفل.
إن تآكل الوعي الجمعي بقدسية الطفولة أمام زحف المادية والفردية جعل من الطفل هدفاً سهلاً في تصفية الحسابات بين البالغين، وهو ما يتطلب إعادة تفعيل دور المدرسة والمسجد وجمعيات المجتمع المدني لاستعادة التوازن القيمي المفقود.
المقاربة القانونية والوقائية
رغم أن المشرع الجزائري وضع ترسانة قانونية صارمة تصل إلى عقوبة الإعدام (المجمدة التنفيذ) في حالات اختطاف وقتل الأطفال، إلا أن المقاربة الأمنية والردعية تظل غير كافية إذا لم ترفق بمقاربة وقائية شاملة، إن المعالجة المهنية تقتضي إرساء آليات "اليقظة الاجتماعية" التي تسمح بالتدخل المبكر في الأسر التي تعاني من هشاشة نفسية أو اقتصادية.
كما يتوجب تعزيز الرعاية الصحية العقلية في المدارس ومقرات العمل لرصد حالات الاضطراب قبل فوات الأوان، وبنيوياً، يجب أن تشمل الحلول تحسين الظروف المعيشية للأسر في الأحياء الهامشية وتوفير فضاءات ترفيهية للأطفال، لأن الجريمة تنمو دائماً في الفراغ والعوز والتهميش.
إن حماية أطفال الجزائر هي مسؤولية تضامنية تبدأ من تشخيص الوجع الاقتصادي والنفسي وصولاً إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يحترم براءة الطفولة ويقدس حقها في الحياة.
نحو استراتيجية وطنية متكاملة لحماية الطفولة
يظل ملف مقتل الأطفال في الجزائر جرحاً غائراً يتطلب شجاعة في الطرح وموضوعية في التحليل بعيداً عن التهويل الإعلامي أو التجاهل الرسمي، إن تشبيك الجهود بين قطاعات الصحة، والعمل، والتضامن، والعدل، هو السبيل الوحيد لبناء جدار صد حقيقي يحمي البراءة، فالعلاج لا يبدأ من منصة الإعدام، بل يبدأ من تأمين لقمة العيش الكريمة وتوفير البيئة النفسية المستقرة لكل أسرة جزائرية.
وإن فهم الدوافع البنيوية والنفسية والاقتصادية ليس تبريراً للجريمة، بل هو الوسيلة العلمية الوحيدة لاستئصالها من جذورها، ليبقى الطفل الجزائري عنواناً للمستقبل لا ضحية لمآسي الحاضر، ولتظل الجزائر بيئة آمنة تنمو فيها أحلام الصغار بعيداً عن خفافيش الظلام وهواجس الحاجة وأمراض النفوس المتعبة.









