يُعيد استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق وسط قطاع غزة، ولا سيّما دير البلح، طرح معبر رفح بوصفه أحد أبرز أدوات الضغط في المعركة المفتوحة على القطاع، حيث لم يعد المعبر مجرد بوابة إنسانية، بل تحوّل إلى ورقة سياسية–أمنية تستخدمها إسرائيل لفرض شروطها في مرحلة ما بعد الحرب.
رفح خارج الإطار الإنساني
منذ بداية العدوان، حرصت إسرائيل على إبقاء معبر رفح خارج أي مسار إنساني مستقل، وربطت فتحه تدريجيًا بملفات تفاوضية متعددة، كان آخرها اشتراط الكشف عن مصير جثة آخر أسير إسرائيلي. هذا الربط يعكس انتقال تل أبيب من منطق العمليات العسكرية المباشرة إلى منطق “الضغط المركّب”، الذي يجمع بين القصف، والتجويع، والتحكم بالمنافذ.
رفح تحت الابتزاز السياسي
الطرح الإسرائيلي يقوم على فرضية أن فتح رفح دون “مقابل أمني” يشكّل، وفق روايتها، مكسبًا لحركة حماس. لذلك تسعى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى تحويل أي خطوة إنسانية إلى ثمن سياسي، بما في ذلك إدخال المساعدات أو تسهيل حركة المرضى، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يفصل بين العمل الإغاثي وملفات النزاع العسكري.
ربط المعبر بملف الأسرى لا يهدف فقط إلى استعادة الجثة، بل إلى تكريس سابقة خطيرة مفادها أن حياة المدنيين في غزة مرهونة بقرارات تفاوضية، وهو ما يمنح إسرائيل قدرة مستمرة على التعطيل والتحكم حتى في فترات التهدئة.
الضغط على الوسيط المصري
يمثل هذا الربط أيضًا محاولة غير مباشرة للضغط على الدور المصري، عبر وضع القاهرة أمام معادلة معقّدة: فتح المعبر باعتباره ضرورة إنسانية، مقابل شروط إسرائيلية تُقحم مصر في ملف تفاوضي لا يقع ضمن مسؤوليتها السيادية. وهو ما ترفضه القاهرة مرارًا، باعتبار أن معبر رفح معبر إنساني لا يجوز إخضاعه لمنطق الابتزاز أو المقايضة.
رسائل داخلية وخارجية
داخليًا، تسعى حكومة الاحتلال إلى إظهار أنها لم تتنازل في ملف الأسرى، في ظل ضغط عائلاتهم والانقسامات داخل المؤسسة السياسية. أما خارجيًا، فتهدف إلى إعادة ضبط مسار المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ومنع انتقالها إلى ترتيبات أكثر استقرارًا تُضعف قدرتها على المناورة العسكرية.
تداعيات أمنية محتملة
أمنيًا، فإن استمرار تعطيل رفح يرفع احتمالات الانفجار الميداني، إذ يُبقي القطاع في حالة اختناق دائم، ويُقوّض فرص تثبيت التهدئة. كما أن ربط المعبر بملف الأسرى يُغلق أي نافذة لبناء إجراءات ثقة، ويدفع الفصائل الفلسطينية إلى اعتبار أن إسرائيل لا تتعامل مع التهدئة بوصفها مسارًا سياسيًا، بل كمرحلة مؤقتة لإعادة التموضع.
خلاصة المشهد
ما يجري حول معبر رفح يتجاوز كونه خلافًا تقنيًا أو أمنيًا، ليعكس استراتيجية إسرائيلية أوسع تقوم على إدارة غزة عبر “التحكم بالمنافذ مقابل التنازلات”. وفي هذا السياق، يصبح المعبر أداة صراع لا تقل أهمية عن الميدان، فيما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة يُعاد فيها توظيف العمل الإنساني كسلاح سياسي في حرب لم تتوقف فعليًا.










