كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن تفاصيل عملية عسكرية واسعة النطاق، وُصفت بأنها «سرية»، بدأ تنفيذها منذ نهاية الأسبوع الماضي في مناطق الشجاعية والتفاح شرقي مدينة غزة، في محاولة لاستعادة جثة الجندي الإسرائيلي ران غويلي. ويأتي هذا الكشف في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ضغوط سياسية وأمنية متزايدة على حكومة الاحتلال، وسعيها لتحقيق «إنجاز ميداني» يعوض إخفاقاتها المتراكمة في ملف الأسرى والحرب على غزة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن العملية لا تندرج ضمن اشتباك قتالي مباشر، بل تُصنف كتحرك استخباري-هندسي معقّد، يجري تحت غطاء أمني مشدد، في منطقة سبق أن تعرضت لتدمير واسع خلال العمليات العسكرية، ما يعكس حجم المأزق الذي يواجهه جيش الاحتلال في استعادة جثامين جنوده رغم أشهر من القتال.
الخط الأصفر والمقبرة
أكد جيش الاحتلال أن محور العملية يتركز في مقبرة تقع على ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وهو خط ميداني تفرض إسرائيل سيطرتها العسكرية عليه داخل قطاع غزة. وتشير التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية، وفق الإذاعة، إلى أن جثمان ران غويلي قد يكون دُفن في هذه المنطقة، بناءً على مسارات معلومات جُمعت خلال الأشهر الماضية.
ولهذا الغرض، جرى تقسيم المقبرة إلى قطاعات ميدانية صغيرة، بحيث يعمل كل فريق بشكل مستقل ومكثف، في محاولة لتسريع عملية البحث وتقليل الوقت الذي تستغرقه العملية، وسط خشية من انكشافها أو تعرّضها لهجمات، في منطقة لا تزال تُصنف ميدانيًا بأنها غير مستقرة أمنيًا.
هندسة البحث الميداني
تعكس طبيعة الفرق المشاركة في العملية الطابع الاستثنائي لها، إذ لا تقتصر على وحدات قتالية، بل تضم طواقم تقنية ودينية متخصصة. ووفق إذاعة الجيش، يشارك في العملية أطباء أسنان مزودون بأجهزة أشعة سينية محمولة، تُستخدم لمقارنة صور الأسنان ميدانيًا، باعتبارها الوسيلة الأسرع للتعرف على الجثامين في ظل التحلل وصعوبة الفحص التقليدي.
إلى جانب ذلك، تشارك الحاخامية العسكرية للإشراف على التعامل مع الجثامين وفق الشروط الدينية الإسرائيلية، ما يكشف عن الحساسية الرمزية والسياسية للملف داخل المجتمع الإسرائيلي. كما تنتشر فرق هندسية وقوات تأمين بكثافة في محيط المقبرة، لتأمين عمليات الحفر والنبش، في مشهد يعكس تحوّل المقابر إلى مسرح عمليات عسكرية كاملة.
170 قبراً قيد النبش
وأفادت الإذاعة أن الفرق الفنية فتحت وتفحص حاليًا نحو 170 قبرًا في جزء محدد من المقبرة، تُقدّر الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية أن احتمالية وجود الجثمان فيه «مرتفعة». ويجري الفحص وفق آلية دقيقة، تشمل استخراج الرفات، إجراء الفحوصات الأولية، ثم إعادة الدفن في حال عدم التطابق.
إسرائيل نبشت مئتي قبر لرفات فلسطينيين في مقبرة شرق مدينة غزة، بحثاً عن جثة الجندي الإسرائيلي الوحيدة المتبقية في قطاع غزة.
— Tamer | تامر (@tamerqdh) January 26, 2026
تدّعي إسرائيل أن لديها معلومات تفيد بأن الجثة دُفنت من دون إدراك من دافنيها على أنها تعود لجندي إسرائيلي.
قد يصل عدد القبور التي يتم نبشها إلى 500، وعند… pic.twitter.com/t6BLwaQkoB
وأوضح الجيش أنه في حال فشل العثور على جثة ران غويلي داخل هذه القبور، سيتم توسيع نطاق البحث ليشمل كامل المقبرة، التي تضم مئات القبور الأخرى، ما يعني عمليًا احتمال استمرار العملية لفترة طويلة، وتحولها إلى واحدة من أوسع عمليات نبش المقابر التي ينفذها جيش الاحتلال داخل قطاع غزة.
سباق مع الوقت
تسعى قيادة الجيش الإسرائيلي، بحسب مصادر عسكرية، إلى إنهاء العملية خلال ساعات الليل، في محاولة لتقليص زمن الانكشاف وتقليل الكلفة السياسية والعسكرية. غير أن التقديرات الميدانية لا تستبعد أن تستمر العملية عدة أيام، خصوصًا إذا اضطرت القوات إلى توسيع مساحة البحث، أو واجهت عراقيل ميدانية وأمنية إضافية.
وأكدت مصادر عسكرية لإذاعة الجيش أن هذه العملية ليست معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة عمليات «سرية» نُفذت مؤخرًا في إطار استنفاد كل المسارات الاستخبارية الممكنة لاستعادة الجثمان. وأضافت المصادر أنه في حال فشل هذا المسار أيضًا، فإن الجيش سينتقل إلى تفعيل معلومات استخبارية أخرى، ما يعكس حجم الإرباك وفشل الحسم رغم التفوق العسكري المعلن.
دلالات الفشل العسكري
يتجاوز هذا المشهد كونه عملية بحث عن جثة ران غويلي، ليكشف عن مأزق أعمق يعيشه جيش الاحتلال في غزة، حيث تحوّلت السيطرة النارية والتدمير الواسع إلى عبء سياسي وأخلاقي، دون أن تُترجم إلى قدرة حقيقية على حسم الملفات الجوهرية، وعلى رأسها ملف الأسرى والقتلى.
وفي مقابل هذا الاستنفار الإسرائيلي غير المسبوق، تواصل المقاومة الفلسطينية فرض معادلاتها، مثبتة أن امتلاك الأرض والمعلومة، وليس التفوق التكنولوجي وحده، هو العامل الحاسم في إدارة الصراع، حتى في أكثر الملفات حساسية لدى الاحتلال.










