خارطة طريق عراقية: لجنة أمنية موحدة لإنهاء ملف عناصر تنظيم الدولة وتفكيك القنابل الموقوتة
أصدرت الحكومة العراقية، متمثلة بالمجلس الوزاري للأمن الوطني، سلسلة من القرارات الحاسمة التي تهدف إلى وضع حد لواحد من أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب.
ففي بيان حكومي رسمي صدر اليوم الاثنين، أكد المجلس أهمية قراره الاستراتيجي بنقل عناصر تنظيم الدولة (داعش) إلى مراكز احتجاز مؤمنة داخل العراق، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي في إطار حماية الأمن القومي العراقي ومنع أي ثغرات قد تُستغل لزعزعة استقرار البلاد.
إن هذا القرار لا يمثل مجرد إجراء لوجستي لنقل السجناء، بل هو إعلان صريح عن رغبة بغداد في فرض سيادتها الكاملة على الملف الأمني، وضمان عدم تحول هؤلاء العناصر إلى "أوراق ضغط" أو قنابل موقوتة في مخيمات وسجون خارجة عن السيطرة المركزية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة في مطلع عام 2026.
تشكيل لجنة أمنية موحدة
أبرز ما جاء في البيان الحكومي هو الإعلان عن تشكيل "لجنة أمنية موحدة" تتولى الإشراف المباشر والدقيق على عملية نقل عناصر تنظيم الدولة من مراكز الاحتجاز المختلفة وصولاً إلى إيداعهم في السجون العراقية المخصصة.
تهدف هذه اللجنة إلى توحيد الجهود بين الأجهزة الاستخباراتية والأمنية والقضائية، لضمان أعلى مستويات الانضباط في عملية النقل ومنع أي محاولات للهروب أو التواطؤ.
كما شدد البيان على أن الهدف النهائي من هذه اللجنة هو تهيئة الملفات القانونية لهؤلاء العناصر لتقديمهم للعدالة أمام المحاكم العراقية المختصة. إن هذا المسار القانوني يعكس التزام الدولة العراقية بمبادئ المحاكمة العادلة، وفي الوقت نفسه يقطع الطريق أمام أي محاولات دولية أو إقليمية لإعادة تدوير هؤلاء العناصر في صراعات جديدة، مما يرسخ مفهوم "دولة المؤسسات" في مواجهة الإرهاب العابر للحدود.
التعاون مع التحالف الدولي
وفي خطوة تهدف إلى طمأنة المجتمع الدولي وضمان الدعم اللوجستي والفني، أكدت الحكومة العراقية أهمية استمرار التعاون مع التحالف الدولي في ملف السجناء.
ويرى العراق أن قضية عناصر تنظيم الدولة ليست شأناً محلياً محضاً، بل هي نتاج صراع دولي ضد الإرهاب، مما يتوجب على المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته التاريخية والقانونية. هذا التعاون يشمل تبادل البيانات الاستخباراتية، وضمان أمن مراكز الاحتجاز، وتوفير الدعم اللازم لإجراء التحقيقات القضائية المتوافقة مع المعايير الدولية.
إن بغداد، من خلال هذا البيان، ترسل رسالة واضحة بأنها لن تتحمل "وزر" الإرهاب العالمي وحدها، وأن على الدول التي ينتمي إليها هؤلاء العناصر أو التي شاركت في الحرب ضدهم، المساهمة الفعلية في إنهاء هذا الملف سواء عبر التمويل أو الدعم القانوني أو استلام رعاياها في مراحل لاحقة.
حماية البلاد من التهديدات العابرة للحدود
يأتي تأكيد المجلس الوزاري للأمن الوطني على أهمية قرار النقل كإجراء استباقي لمنع تكرار سيناريوهات سابقة شهدت عمليات هروب كبرى من السجون، كما حدث في سنوات سابقة ببعض المناطق غير المستقرة.
يدرك العراق أن بقاء عناصر "داعش" في سجون قريبة من مناطق النزاع أو في مناطق تخضع لسيطرة قوى غير نظامية يمثل تهديداً وجودياً للأمن العراقي. لذا، فإن نقلهم إلى مراكز محصنة داخل العمق العراقي يتيح للأجهزة الأمنية السيطرة الكاملة على تحركاتهم، ويمنع أي محاولات لإعادة تنظيم صفوفهم أو التواصل مع الخلايا النائمة.
هذه الخطوة تعزز من قدرة العراق على "إدارة المخاطر" بشكل مركزي، وتجعل من ملف السجناء ملفاً خاضعاً بالكامل لسلطة القانون العراقي وبعيداً عن التدخلات السياسية الإقليمية التي قد تستخدم هذا الملف كأداة للمساومة.
التحديات اللوجستية والقانونية
رغم الوضوح في البيان الحكومي، إلا أن تنفيذ هذه العملية يواجه تحديات جسيمة، بدءاً من تأمين طرق النقل، وصولاً إلى استيعاب الأعداد الكبيرة في سجون تلتزم بالمعايير الإنسانية والقانونية. اللجنة الأمنية الموحدة ستكون أمام اختبار حقيقي في موازنة السرعة مع الدقة، وفي ضمان أن تكون المحاكمات شاملة وتستند إلى أدلة دامغة لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب.
كما أن التنسيق مع التحالف الدولي سيتطلب تفاهمات دقيقة حول مصير العناصر الأجانب وكيفية التعامل مع ملفاتهم المعقدة، إن نجاح العراق في هذه المهمة سيشكل نموذجاً إقليمياً في كيفية تصفية آثار الإرهاب بطريقة قانونية ومؤسساتية، بعيداً عن الحلول العسكرية الصرفة التي أثبتت عدم كفايتها في تحقيق استقرار دائم.
العراق يطوي صفحة "التهديدات الموقوتة"
في نهاية المطاف، يمثل البيان الحكومي العراقي الصادر اليوم وثيقة أمنية استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار. إن تشكيل اللجنة الموحدة والتأكيد على التعاون الدولي والمسؤولية الجماعية، يضع العراق في موقع القيادة لملف كان يشكل صداعاً مزمناً للمنطقة والعالم.
إن حماية البلاد تبدأ من السيطرة على مسببات الفوضى، ونقل عناصر تنظيم الدولة وتقديمهم للعدالة هو المسمار الأخير في نعش طموحات الإرهاب في إعادة بناء نفسه فوق الأراضي العراقية. سيبقى العراق يطالب العالم بالوقوف معه في هذا الملف، ليس من باب طلب المساعدة فحسب، بل من باب تذكير الجميع بأن الأمن الدولي وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن استقرار بغداد هو الضمانة الأكيدة لاستقرار المنطقة والعالم في عام 2026 وما بعده.









