أبرمت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء، اتفاقية تجارة حرّة شاملة مع الهند، خفّضت بموجبها الرسوم الجمركية على معظم السلع الأوروبية، مع استثناء قطاعات حسّاسة استجابةً لمطالب نيودلهي. الاتفاق، الذي وصفته بروكسل بـ«أمّ الصفقات»، يأتي في توقيت بالغ الدلالة، مع تسارع بحث القوى الاقتصادية الكبرى عن بدائل للأسواق الأمريكية في ظل سياسة الرسوم العقابية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وجرى الإعلان عن الاتفاق خلال زيارة رفيعة المستوى لقادة الاتحاد الأوروبي إلى الهند، على رأسهم رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، حيث تحدّث الطرفان عن «فصل جديد في العلاقات الاستراتيجية»، في ظل سعي مشترك لتقليص الاعتماد على السوق الأمريكية، التي باتت أكثر تقلبًا وعدائية تجاريًا منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
ترامب يسرّع الصفقة
تأتي هذه الخطوة بينما تواجه الهند رسومًا جمركية تصل إلى 50% فرضتها إدارة ترامب، ما ألحق أضرارًا مباشرة بصادراتها. وفي السياق نفسه، كان الاتحاد الأوروبي قد أبرم في وقت سابق من الشهر الجاري اتفاقًا تجاريًا مع تكتل «ميركوسور» في أمريكا اللاتينية، في إشارة واضحة إلى تسريع بروكسل أجندتها التجارية بعيدًا عن واشنطن.
وقالت فون دير لاين عقب الإعلان عن الاتفاق: «أنجزنا أمّ الصفقات. هذه قصة عملاقين اختارا الشراكة بمنطق الربح المتبادل»، معتبرة أن الاتفاق يوجّه رسالة سياسية مفادها أن «التعاون هو الرد الأفضل على التحديات العالمية»، في تلميح غير مباشر إلى السياسات الحمائية الأمريكية.
مفاوضات حتى اللحظة الأخيرة
شهدت المفاوضات جولات مكثفة امتدت حتى الساعات الأولى من صباح الاثنين، حيث عقد المفاوضون اجتماعات متواصلة خلال عطلة نهاية الأسبوع. وينص الاتفاق على تعزيز «الإمكانات غير المستغلة» للأسواق المشتركة، مع تجنّب قطاعات زراعية شديدة الحساسية سياسيًا، كانت محل خلاف حاد خلال السنوات الماضية.
وأكد مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش، المسؤول عن التفاوض نيابة عن الدول الـ27، أن بروكسل تستهدف تطبيقًا سريعًا للاتفاق بحلول عام 2027، مشددًا على أن الصفقة تعكس تحوّلًا في فلسفة الاتحاد الأوروبي التجارية.
براغماتية أوروبية جديدة
وفي مقابلة مع «يورونيوز» من نيودلهي، أوضح شيفتشوفيتش أن اتفاق الهند يجسّد نهجًا أوروبيًا أكثر براغماتية، يقوم على تحقيق نتائج ملموسة بدل الارتهان للخطوط الحمراء السياسية. وقال: «استأنفنا المفاوضات بفلسفة جديدة: إذا كان هذا الملف حساسًا بالنسبة لكم، فلن نلمسه»، واصفًا هذه المقاربة بأنها «عامل تغيير حاسم».
ويعكس هذا التوجّه إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن تشدّد المواقف قد يُفقد الاتحاد فرصًا استراتيجية في عالم يتجه نحو تكتلات تجارية بديلة، بفعل السياسات الأمريكية المتقلبة.
مكاسب الصادرات الأوروبية
بموجب الاتفاق، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى مضاعفة صادراته السلعية إلى الهند بحلول عام 2032، عبر خفض الرسوم الجمركية على نحو 96% من صادراته إلى السوق الهندية، ما يوفّر قرابة 4 مليارات يورو سنويًا من الرسوم. وعند بلوغ كامل طاقته، يخلق الاتفاق سوقًا مشتركة تضم نحو ملياري نسمة.
وتبرز شركات السيارات الأوروبية كأكبر المستفيدين، إذ ستُخفّض الرسوم الجمركية الهندية تدريجيًا من 110% إلى 10% ضمن نظام حصص. كما ستُلغى تقريبًا الرسوم على قطاعات الآلات، والكيماويات، والصناعات الدوائية.
الخمر والزيت صفر
ستشهد صادرات النبيذ والمشروبات الروحية، وهي قطاعات حيوية لفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، خفض الرسوم من 150% إلى ما بين 20 و30%. كما ستُخفض الرسوم على زيت الزيتون من 40% إلى الصفر، في مكسب كبير للمزارعين والمنتجين الأوروبيين خارج القطاعات المستثناة.
وفي المقابل، أكدت المفوضية الأوروبية استبعاد منتجات زراعية حساسة من الاتفاق، أبرزها اللحوم، والدواجن، والأرز، والسكر، استجابةً لمخاوف المزارعين الأوروبيين، ولتجنّب صدامات سياسية داخلية شهدها الاتحاد خلال السنوات الماضية.
خطوط هندية حمراء
فيما يخص الهند، أبقى الاتفاق شروط التجارة في منتجات الألبان والحبوب دون تغيير، انسجامًا مع ما اعتبرته نيودلهي «خطًا أحمر» لا يمكن تجاوزه، في ظل اعتبارات اجتماعية واقتصادية تتعلق بالأمن الغذائي وحماية صغار المزارعين.
وأشارت المفوضية إلى أن الاتفاق يتضمن فصلًا خاصًا بالتنمية المستدامة، يهدف إلى تعزيز حماية البيئة ومعالجة تغيّر المناخ، في محاولة لإضفاء بعد معياري على الصفقة دون فرض التزامات تُعقّد تنفيذها.
ملفات مؤجّلة
لم يشمل الاتفاق مسألة «المؤشرات الجغرافية»، وهي قضية خلافية تتعلق بحماية المنتجات الأوروبية من التقليد في السوق الهندية. وأوضحت بروكسل أن هذا الملف سيُعالج ضمن اتفاق منفصل لاحق، في إطار مقاربة تجزئة الخلافات بدل تعطيل الصفقة كليًا.
رسوم ترامب في الخلفية
يكتسب توقيت الاتفاق أهمية إضافية، في ظل سعي الطرفين إلى «تحييد المخاطر» الناتجة عن رسوم ترامب. فقد ارتفعت الرسوم على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة إلى 15% العام الماضي، بينما تخضع الهند حاليًا لنظام رسوم أمريكي قاسٍ يبلغ 50%.
كما فرضت إدارة ترامب العام الماضي رسومًا إضافية بنسبة 25% على الهند عقابًا لها على شراء النفط الروسي، وهو ما دافعت عنه نيودلهي بحاجتها إلى طاقة رخيصة لتغذية اقتصاد يخدم 1.4 مليار نسمة.
مسار طويل ومعقّد
تعود بدايات المفاوضات الأوروبية–الهندية إلى عام 2007، لكنها تعثرت سريعًا بفعل الخلافات. وأُعيد إطلاقها عام 2022، قبل أن تتسارع وتيرتها العام الماضي، مع سعي الطرفين لاحتواء تداعيات عودة ترامب إلى السلطة.
وقبل دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، يتعين على المجلس الأوروبي والبرلمان الأوروبي المصادقة عليه، وهي عملية قد تكون شاقة سياسيًا. وتأمل المفوضية أن يبدأ تطبيق الاتفاق اعتبارًا من يناير 2027، في خطوة تُكرّس، بحسب بروكسل، خيار «التعاون القائم على القواعد» في عالم يتجه نحو الاستقطاب والفوضى التجارية.








