تؤكد الزيارة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاؤه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن سوريا ما زالت تحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الاستراتيجية الروسية، وأن العلاقات بين البلدين تتجه نحو إعادة ضبط وتفعيل، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بما يتلاءم مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد تغيير القيادة، ومع المتغيرات الإقليمية الأوسع.
علاقات متجذرة وإرادة سياسية للتعزيز
خلال اللقاء في الكرملين، شدد الرئيس الروسي على أن العلاقات الروسية السورية “متجذرة” وتشهد تطورًا ملحوظًا، في إشارة واضحة إلى أن موسكو لا تنظر إلى سوريا كشريك ظرفي، بل كحليف استراتيجي طويل الأمد. حديث بوتين عن “إعادة بعث التعاون الاقتصادي بعد فترة من الجمود” يعكس إدراكًا روسيًا بأن المرحلة المقبلة في سوريا تتطلب أدوات غير عسكرية، تقوم على الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، لضمان استدامة النفوذ الروسي.
بوتين للشرع من موسكو: علاقاتنا متجذرة ونسعى لتعزيزها pic.twitter.com/puYA1suXxA
— Asharq News الشرق للأخبار (@AsharqNews) January 28, 2026
التعاون الاقتصادي
إعلان بوتين استعداد بلاده للعمل المشترك لإعادة إعمار سوريا يحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، فروسيا تسعى إلى ترجمة دعمها السياسي والعسكري السابق إلى مكاسب اقتصادية ملموسة. إعادة الإعمار تمثل بالنسبة لموسكو بوابة لتعزيز حضور الشركات الروسية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والموانئ، وفي الوقت نفسه تمنح دمشق شريكًا دوليًا مستعدًا للاستثمار في ظل استمرار القيود الغربية.
وحدة سوريا وسلامة أراضيها
التأكيد الروسي المتكرر على وحدة سوريا وسلامة أراضيها ينسجم مع خطاب الرئيس السوري، الذي اعتبر أن بلاده تجاوزت خلال العام الماضي تحديات كبرى، أبرزها توحيد الأراضي. هذا التوافق يعكس تقاطع المصالح بين الطرفين: دمشق تسعى لترسيخ سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، بينما ترى موسكو في وحدة سوريا ضمانة لاستقرار نفوذها العسكري والسياسي، ومنع أي سيناريوهات تفكيك قد تهدد مصالحها.
سوريا بعد تغيير القيادة
إشارة الكرملين إلى أن العلاقات مع سوريا “تتطور بشكل نشط بعد تغيير القيادة” توحي بأن موسكو تتعامل ببراغماتية مع الواقع السياسي الجديد في دمشق. فروسيا لا تكتفي بالحفاظ على قنوات الاتصال، بل تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بما يضمن استمرار الشراكة، بعيدًا عن الارتهان لشخصيات أو مراحل بعينها، وهو ما يمنح العلاقة الروسية السورية طابعًا مؤسساتيًا أكثر رسوخًا.
ملف النفوذ العسكري
يبقى مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا من أبرز ملفات الزيارة. فقاعدة حميميم الجوية في اللاذقية والمنشأة البحرية في طرطوس تمثلان حجر الأساس للوجود العسكري الروسي في شرق المتوسط. ورغم الغموض الذي يلف هذا الملف بعد الإطاحة بالنظام السابق، فإن الاتفاقيات الموقعة عام 2017، والتي تمتد حتى عام 2066، تمنح موسكو أساسًا قانونيًا قويًا للإبقاء على وجودها في سوريا.
سحب القوات الروسية من مطار في شمال شرق سوريا، مقابل الإبقاء على الوجود في حميميم وطرطوس، يشير إلى إعادة تموضع مدروسة أكثر من كونه انسحابًا. موسكو تبدو معنية بتقليص انتشارها في المناطق ذات الكلفة السياسية والعسكرية العالية، والتركيز على نقاط استراتيجية تضمن لها النفوذ الإقليمي والوصول البحري والجوي.
التغيرات الميدانية وتعزيز الدولة السورية
تزامن الزيارة مع بسط الجيش السوري سيطرته على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا كان خاضعًا لـ”قسد”، يمنح اللقاء بعدًا ميدانيًا إضافيًا. فتعزيز سلطة الدولة السورية على الأرض ينسجم مع الرؤية الروسية القائمة على دعم مؤسسات الدولة، ويعزز من فرص التنسيق الأمني والعسكري بين موسكو ودمشق في المرحلة المقبلة.
سوريا وروسيا.. شراكة ما بعد الحرب
في المحصلة، تعكس زيارة الشرع إلى موسكو أن العلاقات الروسية السورية تدخل مرحلة جديدة، تتجاوز منطق إدارة الحرب إلى منطق إدارة الدولة وإعادة البناء.
سوريا بالنسبة لروسيا ليست ساحة نفوذ فقط، بل منصة استراتيجية في الشرق الأوسط، فيما ترى دمشق في موسكو شريكًا قادرًا على دعم استقرارها السياسي ووحدتها الجغرافية في مرحلة شديدة التعقيد إقليميًا ودوليًا.










