4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الجريمة في الداخل الفلسطيني.. أداة سياسية للتفكيك الاجتماعي أم نتاج تقاعس شرطي متعمد؟

الجريمة في الداخل الفلسطيني.. أداة سياسية للتفكيك الاجتماعي أم نتاج تقاعس شرطي متعمد؟

بقلم: محمد خميس
٢٩ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
7 مشاهدة
الجريمة في الداخل الفلسطيني

الجريمة في الداخل الفلسطيني

الجريمة في الداخل الفلسطيني.. أداة سياسية للتفكيك الاجتماعي أم نتاج تقاعس شرطي متعمد؟

تشهد مدن وقرى الداخل الفلسطيني المحتل في الآونة الأخيرة موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، التي انطلقت لتصرخ في وجه "شلال الدم" المستمر الذي يحصد أرواح المئات سنوياً تحت وطأة الجريمة المنظمة. 

هذه التحركات التي عمت شوارع الناصرة، وأم الفحم، واللد، والنقب، لم تعد مجرد تظاهرات مطلبية عادية، بل تحولت إلى انتفاضة مدنية شاملة تتهم المؤسسة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية بالتواطؤ المتعمد وترك الحبل على الغارب لعصابات الإجرام لتفتيت النسيج الاجتماعي الفلسطيني من الداخل. 

ويؤكد مراقبون أن حالة الغليان التي يعيشها المجتمع العربي هي نتاج سنوات من التراكمات والشعور بالاستهداف الممنهج، حيث بات المواطن الفلسطيني في الداخل يدرك أن أمنه الشخصي والجمعي ليس ضمن أولويات الدولة التي تدعي الديمقراطية، بل ربما يكون غياب هذا الأمن هدفاً سياسياً بحد ذاته لإشغاله عن قضاياه الوطنية الكبرى.

وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت وصلت فيه أرقام ضحايا الجريمة إلى مستويات قياسية لم يسبق لها مثيل، مما دفع اللجان الشعبية والقوى السياسية والمجتمعية إلى تصعيد خطابها ضد وزارة الأمن القومي الإسرائيلي. 

ويرى المتظاهرون أن الشرطة الإسرائيلية، التي تتباهى بقدراتها التكنولوجية والاستخباراتية الفائقة في قمع الاحتجاجات السياسية أو ملاحقة الناشطين، تقف "عاجزة" ومكتوفة الأيدي حينما يتعلق الأمر بجمع السلاح غير القانوني أو الكشف عن قتلة المواطنين العرب. 

هذا التناقض الصارخ في الأداء الأمني ولّد قناعة راسخة لدى جيل الشباب الفلسطيني بأن هناك "ضوءاً أخضر" خفياً يُمنح لعصابات الإجرام للتحرك بحرية داخل البلدات العربية، شريطة ألا يتجاوز نشاطها حدود تلك البلدات أو يهدد الأمن القومي الإسرائيلي بمعناه الصرف.

خلفيات الظاهرة.. التهميش البنيوي وسياسات "فرق تسد"

لفهم أسباب انفجار ظاهرة الجريمة في الداخل الفلسطيني، يجب العودة إلى جذور العلاقة بين المجتمع العربي والدولة، حيث تعاني هذه المجتمعات من تهميش بنيوي مستمر منذ عقود في مجالات التعليم، والعمل، وتخطيط المدن. 

إن ضيق الحيز الجغرافي ونقص الميزانيات المخصصة للسلطات المحلية العربية خلق بيئة خصبة لنمو "اقتصاد الظل" الذي تسيطر عليه عصابات السوق السوداء التي تمنح القروض بفوائد ربوية وتفرض "الخاوة" على أصحاب المحال التجارية.

 وفي ظل غياب المؤسسات الرسمية الحامية، وجد الكثير من الشباب الذين يعانون من البطالة والفقر أنفسهم وقوداً لهذه الصراعات الدموية، مما حول القرى الهادئة إلى ساحات حرب تستخدم فيها الأسلحة الرشاشة والعبوات الناسفة أمام أعين دوريات الشرطة التي تكتفي بالوصول بعد وقوع الجريمة لتسجيل المحاضر ضد مجهول.

علاوة على ذلك، يرى مراقبون أن استفحال الجريمة ليس مجرد فشل إداري، بل هو انعكاس لسياسة "الإهمال المتعمد" التي تهدف إلى إغراق المجتمع الفلسطيني في صراعاته الداخلية. فالسلاح الذي يقتل الفلسطيني في الداخل اليوم هو نفسه السلاح الذي يتدفق من ثكنات الجيش الإسرائيلي عبر تجار السلاح الذين يعملون كوسطاء غير رسميين. 

إن تركيز الدولة على الجانب الأمني العسكري تجاه الفلسطينيين، مقابل غياب الأمن المدني لهم، يعزز من فكرة أن المؤسسة الإسرائيلية تنظر إلى الفلسطيني في الداخل كعدو محتمل يجب مراقبته، وليس كمواطن يستحق الحماية، وهو ما أدى إلى تآكل الثقة بشكل كامل بين المجتمع والشرطة، التي تحولت في نظر الكثيرين من أداة لإنفاذ القانون إلى أداة للقمع السياسي فقط.

الانعكاسات السياسية داخل إسرائيل.. تصدع الجبهة الداخلية وتآكل الشرعية

على الصعيد السياسي، تركت أزمة الجريمة وتواطؤ الشرطة أثراً بليغاً على الخارطة السياسية في إسرائيل، حيث باتت الأحزاب العربية في الكنيست تواجه ضغوطاً شعبية هائلة للانسحاب من اللعبة البرلمانية التي لم توفر الأمن للمواطن البسيط. 

لقد أدت هذه الأزمة إلى تعميق الشرخ بين المجتمع العربي والمؤسسة الإسرائيلية، ودفعت نحو نمو حركات شبابية راديكالية ترى في "الحكم الذاتي" أو الانفصال المؤسساتي عن أجهزة الدولة حلاً وحيداً لحماية النفس. 

كما أن استغلال اليمين الإسرائيلي المتطرف لهذه الجرائم كذريعة لزيادة عسكرة المدن العربية وإدخال "الشاباك" (الأمن العام) في القضايا الجنائية، أثار مخاوف حقوقية واسعة من استخدام الجريمة كحصان طروادة لفرض المزيد من القيود الأمنية والسياسية على الفلسطينيين وتكميم أفواههم.

كما أفرزت الأزمة حالة من التلاحم الميداني بين مختلف المكونات الفلسطينية في الداخل، حيث توحدت الهيئات الدينية والسياسية والاجتماعية تحت راية "لجنة المتابعة العليا" لتنظيم الإضرابات والاعتصامات أمام مقار الوزارات السيادية. 

هذا الحراك السياسي المتصاعد يشكل تحدياً كبيراً للحكومة الإسرائيلية، لأنه يضعها أمام خيارين أحلاهما مر فإما الاعتراف بفشلها وتغيير سياساتها الأمنية بشكل جذري بما يضمن المساواة الحقيقية، وإما الاستمرار في نهج التجاهل الذي سيقود حتماً إلى "انفجار اجتماعي" كبير قد يتجاوز حدود الجريمة ليصل إلى صدام سياسي ووطني شامل يعيد إنتاج أحداث هبة الكرامة في مايو 2021، وهو ما تخشاه الدوائر الأمنية الإسرائيلية التي تراقب الوضع بحذر شديد.

نحو استراتيجية وطنية لمواجهة "مشروع التفكيك"

يبدو أن فلسطينيي الداخل قد قرروا الانتقال من مربع المناشدة إلى مربع الفعل الميداني، مؤكدين أن معركتهم ضد الجريمة هي جزء لا يتجزأ من معركتهم من أجل الوجود والكرامة الوطنية. 

إن محاولات المؤسسة الإسرائيلية لتصوير الجريمة بوصفها "ثقافة مجتمعية" هي محاولة بائسة للهروب من المسؤولية القانونية والأخلاقية.

 لذا، فإن استمرار الاحتجاجات وتدويل القضية في المحافل الحقوقية الدولية بات ضرورة ملحة لكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية حول المساواة. 

إن الطريق نحو استعادة الأمن في الداخل الفلسطيني يمر عبر تكاتف كافة الجهود الوطنية لرفض السلاح غير القانوني، ومحاصرة تجار الموت، والضغط الشعبي المتواصل الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يفرض واقعاً جديداً يجبر الدولة على القيام بواجبها أو الاعتراف الصريح بسياسة التمييز العنصري التي تمارسها.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال