اجتماع أمني حاسم في تل أبيب.. هل تقرر إسرائيل الذهاب نحو التصعيد الشامل مع إيران؟
تتجه الأنظار في الداخل الإسرائيلي والمحافل الدولية نحو الاجتماع الأمني رفيع المستوى الذي يعقده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، لبحث ملفات بالغة التعقيد تتصدرها الطموحات النووية الإيرانية والجمود السياسي والعسكري في قطاع غزة.
ويأتي هذا الاجتماع في توقيت شديد الحساسية، حيث تواجه الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً داخلية متزايدة لاستعادة الهدوء والأسرى، مقابل ضغوط إقليمية تفرضها "وحدة الساحات" المدعومة من طهران.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يسعى من خلال هذا اللقاء إلى بلورة استراتيجية موحدة تجمع بين الردع العسكري والتحرك الدبلوماسي، في ظل تقارير استخباراتية تشير إلى تقدم ملموس في البرنامج النووي الإيراني، وتزايد نفوذ الفصائل المسلحة على جبهات متعددة، مما يضع نظرية "الأمن القومي الإسرائيلي" تحت اختبار غير مسبوق منذ عقود طويلة.
وتشير التسريبات الواردة من كواليس المؤسسة الأمنية في تل أبيب إلى أن النقاشات لن تكتفي ببحث تكتيكات الميدان في غزة، بل ستمتد لتشمل "خيار الضربة العسكرية" للمنشآت الإيرانية كخيار أخير إذا ما فشلت الجهود الدولية في كبح جماح طهران.
هذا التوجه التصعيدي يواجه تحديات لوجستية وسياسية كبرى، حيث تدرك القيادة العسكرية الإسرائيلية أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تعني اشتعال جبهات الشمال والجنوب بشكل متزامن، مما يضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية في مهب الريح.
لذا، فإن الاجتماع يهدف بالدرجة الأولى إلى موازنة الكلفة والمنفعة بين سياسة "الاحتواء" التي تطالب بها بعض القوى الدولية، وبين سياسة "المبادرة بالهجوم" التي يروج لها اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو، مما يجعل مخرجات هذا اللقاء حاسمة في تحديد بوصلة المنطقة للأشهر القادمة.
معضلة غزة.. بين الاستنزاف العسكري وضرورات الحل السياسي
على جبهة غزة، لا يزال المشهد يتسم بالتعقيد رغم العمليات العسكرية المستمرة، حيث يواجه الجيش الإسرائيلي حرب استنزاف طويلة الأمد لم تنجح في القضاء الكامل على القدرات الصاروخية أو الهيكلية للفصائل.
ويناقش الاجتماع الأمني المرتقب إمكانية الانتقال إلى "المرحلة التالية" التي تتضمن عمليات جراحية مركزة بدلاً من الاجتياحات الشاملة، وذلك لتقليل الخسائر البشرية وتخفيف الضغط الدولي الناجم عن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في القطاع.
ومع ذلك، يظل "اليوم التالي" للحرب هو العقدة الأكبر؛ فغياب خطة سياسية واضحة لإدارة القطاع يهدد بتحويل غزة إلى مستنقع يمتص دماء الجنود الإسرائيليين دون أفق سياسي ملموس، وهو ما يثير حفيظة قادة الجيش الذين يطالبون بقرارات سياسية توازي الإنجازات العسكرية الميدانية.
علاوة على ذلك، يبرز ملف الأسرى كعنصر ضاغط ومحرك للشارع الإسرائيلي، حيث تتزايد المطالبات بإبرام صفقة تبادل حتى لو كان ثمنها وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وهو ما يرفضه الجناح المتشدد في الحكومة.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يحاول استخدام الملف الإيراني كأداة للمناورة السياسية؛ فمن خلال تضخيم الخطر الوجودي القادم من طهران، يسعى لتخفيف وطأة الانتقادات الموجهة إليه بشأن إدارته لملف غزة إلا أن هذا التكتيك قد لا يصمد طويلاً أمام الواقع الميداني الذي يفرض ضرورة حسم الموقف في الجنوب للتفرغ للجبهة الشمالية والتهديدات البعيدة، مما يجعل من اجتماع "الكابينت" الأمني ساحة لتصفية الحسابات بين الرؤية العسكرية المهنية والاعتبارات السياسية الحزبية لنتنياهو.
خيارات تل أبيب والارتباط العضوي بالتحركات الأميركية
لا يمكن قراءة خيارات إسرائيل بمعزل عن الدور الأمريكي الذي يلعب دور "المايسترو" والممول في آن واحد، فالتحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، من إرسال حاملات الطائرات إلى جولات وزير الخارجية المكوكية، تهدف بالأساس إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة لا ترغب فيها واشنطن.
وتجد تل أبيب نفسها مضطرة للتنسيق الوثيق مع البيت الأبيض، ليس فقط للحصول على الدعم العسكري والغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن، بل أيضاً لضمان استمرار مسار "التطبيع الإقليمي" الذي تعتبره واشنطن حجر الزاوية في استراتيجيتها للشرق الأوسط. ومع ذلك، تظهر فجوة واضحة في الرؤى بين الطرفين؛ فبينما تدفع واشنطن نحو "الاحتواء والدبلوماسية"، تميل حكومة نتنياهو نحو "التصعيد الوقائي" لفرض واقع أمني جديد.
إن الارتباط بالتحركات الأمريكية يفرض على إسرائيل قيوداً واضحة، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني، حيث تفضل الإدارة الأمريكية الحالية سياسة العقوبات والضغوط الاقتصادية على خيار المواجهة العسكرية المباشرة.
هذا التباين يضع نتنياهو في موقف صعب أمام جمهوره اليميني، مما قد يدفعه للقيام بـ "خطوات أحادية" لإحراج واشنطن أو جرها إلى مواجهة لا تريدها.
إن خيارات إسرائيل بين التصعيد والاحتواء ستعتمد بشكل كبير على مدى استعداد واشنطن لتقديم ضمانات أمنية "صلبة" لتل أبيب بشأن المشروع النووي الإيراني، ومدى قدرة نتنياهو على الصمود أمام العواصف الداخلية والضغوط الدولية التي تطالبه بإنهاء ملف غزة والالتفات إلى التهديدات الوجودية الأكبر التي تحيط بدولته من كل جانب.










