د. عمار علي حسن في حوار كاشف لـ 180 تحقيقات:
المجتمع في حالة الرفض العاجز أمام الحكومة
السلطة الحالية لم تعد تشعر بأي التزام حيال المجتمع
روائي وكاتب عصامي جاء من أسرة مكافحة في الجنوب حيث "ملح الأرض"، ليبرز في السماء الرواية والأدب والسياسة ويصبح من أبرز المتخصصين في مجال الرواية والأدب إذ أنجز 62 كتابًا، نصفها أعمال أدبية عبارة عن روايات ومجموعات قصصية ومسرحية وثلاثة دواوين شعر، وتتوزع كتبه على النقد الثقافي والأدبي والاجتماع السياسي والتصوف والفكر.
أعدت حول أعماله الأدبية عشرون أطروحة جامعية، وتُرجمت بعض كتاباته الأدبية والفكرية إلى عدة لغات، ونال عنها جوائز أبرزها: جائزة الدولة للتفوق، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة اتحاد كتاب مصر في الرواية، وجائزة الطيب صالح في القصة القصيرة، وجائزة ابن بطوطة في أدب الرحلات، وجائزة ساويرس في النقد والسرديات الأدبية، إنه الدكتور عمار علي حسن الروائي والكاتب وأستاذ الاجتماع السياسي، وحول الأوضاع الاجتماعية الراهنة كان لـ 180 تحقيقات معه هذا الحوار:
د. عمار علي حسن في حوار كاشف لـ 180 تحقيقات
بداية؛ كيف ترى حال المجتمع المصري وتأثيره وتأثره بالسلطة في ظل الفترات المتلاحقة الملكية ثم بعد 1952 ثم بعد ثورة يناير؟
على مدار قرون طويلة اعتاد المصريون تسيير بعض أمورهم، على قدر الاستطاعة والحاجة، دون تعويل قوي ومستمر على السلطة الحاكمة، حتى لو نادوها وناشدوها وانتقدوها على عدم قيامها بما يجب أن يقع على عاتقها من مهمة، وما هو منوط بها من دور.
فمنذ خمسة آلاف سنة، ومصر تحكمها قوى من خارجها، ولذا اعتاد المصريون على أن تكون هناك مسافة بينهم وبين السلطة التي تدير وتتحكم، متقلبين معها بين عدل قصير، وظلم طويل، واجهوه بالتمرد حينا، وبالتحايل أحيانا، وخضعوا له غالبا، مقدرين جيدا ما يراد منهم، وما يريدونه ممن يحكمون.
هذه الغربة الطويلة علمت المجتمع أن يصنع أسيجة يحمي بها نفسه، ويخترع حيلا يمرر بها أزماته، ويقضي بها أوقاته العصيبة، ويعرف متى يكر، ومتى يفر، وهو ينظر إلى السلطة في ارتياب، أو لا يثق فيها كثيرا، خاصة أنه سمع ورأى وعرك وعانى الفجوة المتواصلة بين "الخطاب" و"الممارسة" وبين "القول" و"الفعل" حتى بعد أن حمل الاستعمار عصاه ورحل، وحكم مصر أبناء منها.
فقد رأى المصريون، على مدار العقود الأخيرة، كيف انفكت عرى المبادئ الست لثورة يوليو، عروة تلو أخرى، وكيف أعيدوا مرة أخرى يرسفون في أغلال غليظة، وكيف تواصل الفساد وتوحش، حتى طاول النهب الاستعماري أو فاقه أحيانا.
د. عمار علي حسن في حوار كاشف لـ 180 تحقيقات
هل ترى أن المجتمع المصري حاليا قابل بالحالة التي وصل إليها من الجانب الاقتصادي والسياسي؟
هو يرفض تردي حاله بالقطع، ويبدي اعتراضه بطرق يراها آمنة أو متحايلة، وللأسف هناك أطراف في السلطة السياسية تتوهم أن هذا نوع من الرضا، بينما هو في حقيقه رفض عاجز.
د. عمار علي حسن في حوار كاشف لـ 180 تحقيقات
كيف كسرت السلطة الحالية حالة العقد الاجتماعي مع المواطن المصري التي كرسها جمال عبد الناصر بعد 1952؟
السلطة الحالية لم تعد تشعر بأي التزام حيال المجتمع، إن اهتمت بالأمن فهو أمن السلطة، وليس أمن المجتمع، وإن فكرت في تعزيز مالية الدولة تلجأ إلى الضرائب، ورغم أن هذه تمثل الجزء الأكبر من الموازنة العامة فلا يترتب علي دفع الناس لها أي حقوق أو خدمات له، وهذا معناه أنها تحولت إلى جباية.
هنا خيط رفيع رقيق لا يزال موجودا من أرث دولة يوليو وهو مشروع "تكافل وكرامة" لكن التضخم لم يجعله في حقيقته تكافلا، ونزع عنه أي كرامة، وربما لولا خوف السلطة من آثار الفراغ الذي تركته الجماعات السياسية الإسلامية من زاوية ما كانت تقدمه من إعانات ومساعدات للفقراء وتوظفها سياسيا، ما فكرت السلطة الحالية في مشروع تكافل وكرامة.
بعيدا عن التفاصيل أقول بوضوح، لقد تعدى الأمر عتبة الحديث عن ضعف في بنيتنا الاجتماعية أو توعكها ومرضها، أو صعوبة الخروج من ضيق الآني نحو براح الآتي، إلى ما يهدد بقاءنا، أو يبقينا مرضى خاملين، في ركود وخمود وقعود، بل في كساح أصاب عظم المجتمع، بل نفذ إلى نخاعه، بعد غياب أي مشروع وطني، أو هزيمة المشروع الذي تبناه عبد الناصر، وتصفيته عبر ثورة مضادة ناعمة.
إنه شيء فوق الأمراض التي ألفها المصريون زمناً طويلاً مع الاستبداد والفساد، فتعايشوا معها، وتحايلوا عليها، ولم يفقدوا الأمل في الانتصار وإن تأخر، والعبور وإن قامت في طريقه العثرات، شوكاً وجمراً وسدوداً وقيوداً، أو نصبت الفخاخ متاهة مصمتة، لا سبيل للمروق منها، إلا بجهد جهيد، يصنعه وعي الرجال، وتحققه عزائمهم الصلبة.
لقد أصبحنا الآن في خطر لأن العوامل التي ساعدت مجتمعنا على التماسك على مدار قرون طويلة تتآكل وتتحلل دون أن نجد السبيل إلى التصدي لها وعلاجها، لاستعادة اللُحمة بيننا، أو إبقاء التعاون والتكافل والتراحم على حاله القديمة، في ظل ضيق ذات اليد، ولعب السلطة، عبر قرارات وإجراءات وقوانين وتشريعات، في الجينات الاجتماعية الأصيلة للمصريين، بوعي وقصد أو بغفلة واستهانة، وإفراز الصراع السياسي على السلطان والمكانة والثروة إلى حدوث استقطاب اجتماعي، يصل إلى حد الشرخ والفرقة في بعض الأحيان والأوقات والأماكن.
د. عمار علي حسن في حوار كاشف لـ 180 تحقيقات
لماذا تقبل المجتمع المصري بعد 2013 ما لم يتقبل جزء بسيط منه في عهد الرئيس حسني مبارك؟
ـالناس لم تتقبل، لكنها تخشى دخول البلد في اضطراب، يفكك أوصالها، أو يدخلها في نفق مظلم كدول أخرى، ويخشون إن حدث هذا ألا تكون هناك كفاءة في إدارة الأزمة فتطول، وتضع البلد في مهب الريح.
المصريون بعد 2013 رفضوا أشياء كثيرة ونجحوا في دفع السلطة إلى التراجع عن قرارات، يمكن أن نضرب مثلا بموضوع قرار تسجيل العقارات إجباريا، وقرار هدم المباني المخالفة، الذي خرجت له مظاهرات حتى في الريف، وآخرها قبل أيام هو قرار إخضاع القضاة لدورات واختبارات في الأكاديمية العسكرية. المصريون يقاومون، لكن بحذر وتحايل، خوفا على الدولة، وللأسف هناك من يستغل هذا الخوف في ابتزازهم، بدلا من تقدير وطنيتهم والإخلاص لهم.
ويطيب لي هنا القول إن المصريين قد ثاروا وانتفضوا طوال تاريخهم على الظلم والقهر، فقامت على أرضهم أول ثورة في التاريخ الإنساني أيام حكم الملك بيبي الثاني، وفي زمننا الحديث عرفت مصر من الانتفاضات والثورات الكثير، بدءا بالثورة العرابية وحتى ثورة يناير 2011 وما تبعها، وبين هذين التاريخين اندلعت احتجاجات، ونظمت مظاهرات، وتوالت أشكال عدة من الغضب المحدود والممدود.
وأرض مصر هي التي شهدت وجود الفلاح الفصيح الذي واجه الملك، والملوك الذين آمنوا بالعدل أو "الماعت"، ورأت عصر الاستشهاد الكبير الذي قاوم فيها مسيحيو مصر اضطهاد الإمبراطورية الرومانية، وانتفاضات توالت ضد ما لحق بهم من ظلم في ظل حكم بني أمية وبني العباس وبني عثمان، ومقاومة الفرنسيس والإنجليز أيام حملتي نابليون 1798 وفريزر 1807، وقبلهما الاحتجاج على حكم القائدين المملوكين مراد بك وإبراهيم بك سنة 1795، ثم خلع خورشي باشا بعيد رحيل نابليون واختيار محمد علي للحكم عام 1805.
حدث هذا بينما رسفت مجتمعات أخرى تحت أغلال الاحتلال الطويل دون غضب أو تبرم، أو جاء التبرم ليس بالغزارة والاتساع الذي حدث في مصر. ويحدث هذا الآن، في وقت تنشط فيه الطغمائية أو الدكتاتورية في بلدان كثيرة، إثر هيمنة من حاكم فرد، أو مؤسسة متغلبة، أو حزب واحد مسيطر، أو أيديولوجية قامعة، أو قلة تملك المال والإعلام وتتلاعب بأحوال وعقول الأغلبية الكاسحة.
إن كثيرين يتناسون أو يتغافلون عن أن عمر الديمقراطية لا يزيد عن قرنين من الزمن، وأنه حتى وقت قريب كانت نظم الحكم العسكرية والدينية تغطي أغلب خريطة الأرض البشرية، وأن الديمقراطيات نفسها صارت تتوعك مع صعود التطرف اليميني، وعودة الانقلابات العسكرية، واعتناق الإيديولوجيات التي تفضي إلى الثيوقراطية.
هل تستمر معادلة السلطة في مصر في حكم المجتمع بسياسة العصا والتعامل الفوقي؟
للأسف من بيننا الذين يزينون للحكام فكرة قبول المصري بالجبر، ونفوره من الاختيار، وأننا شعب لا تصلح معه سوى العصا المشرعة طوال الوقت. ومن أسف فإن كثيرا من الحكام صدقوا هذا التزيين اللعين، فانفردوا بالقرار، وغيبوا الناس، وتلاعبوا بمصائرهم، وظنوا أنهم لن يدفعوا الثمن.
لقد قرأنا كتابا مجهول المؤلف بعنوان "تراث العبيد"، تناقله الناس وتداولوه سرا، وصار متاحا الآن على شبكة الإنترنت، وتحدث جمال حمدان عن دور الجغرافيا في صناعة "الاستبداد الشرقي"، وتناول نزيه نصيف الإيوبي تحكم الدولة المركزية، وتناول أحمد صادق سعد سمات "المجتمع النهري"، وآراء هؤلاء جميعا، وصفت، من دون شك، جانبا من الحقيقة الجغرافية والتاريخية، لكن هناك جانبا آخر مغاير، نقف عليه إن أحصينا عدد الهبات والاحتجاجات والانتفاضات والثورات في تاريخ مصر المديد.
إن الذين يتجاهلون قرونا طويلة من كفاح المصريين، يعمدون إلى إفقاد الشعب ثقته في نفسه، وفي قدرته على التغيير، حيث يوهمون أن ما هو فيه ليس سوى وصل ما انقطع من تاريخه المفعم بالذل والخضوع، وعليه أن يؤمن بأن هذا قدره المحتوم، الذي لا فكاك منه، وهذا محض كذب وافتراء.







