العراق في منعطف خطير.. هل تضحي طهران بالمالكي لتجنب صدام عسكري واقتصادي مع واشنطن؟ (خاص)
يمر العراق المحتل اليوم بواحدة من أدق وأخطر المراحل السياسية منذ سنوات، حيث تحول ملف ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس الوزراء من شأن داخلي إلى أزمة دولية عابرة للحدود، خاصة بعد الدخول المباشر والرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط الأزمة.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، قدم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي، عميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، تحليلاً معمقاً للمشهد، معتبراً أن العراق يقف أمام منعطف هو الأكثر حدة، حيث تشتبك التوازنات الإقليمية بالضغوط الدولية لتضع القوى السياسية، لا سيما "الإطار التنسيقي"، أمام خيارات أحلاها مر.

الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي
ويرى الدليمي أن المعطيات الحالية تشير إلى عودة سياسة "الخطوط الحمراء" الأمريكية بشكل خشن وغير مسبوق، مما يجعل من إعادة إنتاج الوجوه الجدلية أمراً يقترب من الانتحار السياسي والاقتصادي للدولة العراقية المتهالكة أصلاً.
فيتو ترامب والعودة إلى سياسة الصراحة الخشنة
لم يكن اعتراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أطلقه عبر منصة "تروث سوشيال" في 27 يناير 2026، مجرد تصريح عابر أو تعليق دبلوماسي، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن عودة سياسة "الضغوط القصوى" تجاه الملف العراقي.
ويرى الدكتور الدليمي أن ترامب ربط بوضوح تام بين استمرار الدعم الاقتصادي والأمني الحيوي للعراق وبين استبعاد نوري المالكي من سدة الحكم. واشنطن تنظر إلى المالكي بصفته "مهندس النفوذ الإيراني العميق"، وتعتبر أن عودته تعني نسفاً لكل الجهود الدولية الرامية للجم الفصائل المسلحة وتقليص نفوذ طهران.
ووصف ترامب سياسات المالكي السابقة بـ "المجنونة"، مستشهداً بكارثة سقوط الموصل عام 2014، مما يعكس قناعة أمريكية بأن المالكي يمثل رمزاً للفوضى التي لا تخدم مصالح واشنطن في المنطقة، خاصة في ظل الضغوط الهائلة التي تعاني منها إيران بعد الضربات التي استهدفت برنامجها النووي في عام 2025.
"مسرحية القلة" والبروباغندا السوداء لتزييف نبض الشارع
في قراءته للتحركات الإعلامية والشعبية المؤيدة للمالكي، يصف الدكتور عبد الرزاق الدليمي هذه المشاهد بـ "المسرحية الباهتة" التي تفتقر للمرتكزات الواقعية.
ويستند هذا التوصيف إلى عدة حقائق ميدانية، أولها "الحشد المصطنع"، حيث سعت الماكنة الإعلامية التابعة لكتلة "دولة القانون" إلى تصوير تظاهرات ضمت بضع مئات من الأشخاص مدفوعي الثمن على أنها غضب شعبي عارم ضد التدخل الخارجي، والهدف هو تحويل الصراع من رفض شخصي للمالكي إلى معركة وهمية حول "السيادة".
ويضيف الدليمي أن هناك مفارقة سياسية صارخة؛ فبينما يحاول المالكي تسويق نفسه كحامي للسيادة، يدرك الشارع أن ترشيحه أحدث انقساماً عميقاً حتى داخل الإطار التنسيقي نفسه، حيث تخشى أطراف مثل حيدر العبادي ومحمد شياع السوداني من دفع أثمان باهظة نتيجة العقوبات الأمريكية التي لوح بها ترامب بصراحة.
المثلث الدولي وتوازنات الحكم بين واشنطن وطهران ولندن
تتزامن هذه الأزمة مع تحضيرات حثيثة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهي المحطة القانونية التي تسبق تكليف رئيس الوزراء، وهنا تبرز تدخلات "المثلث الدولي" المؤثر، الولايات المتحدة تستخدم حالياً "سلاح الدولار" والاعتراف الدولي كأدوات ضغط لفرض مرشح تسوية لا يستفز المحيط العربي.
وفي المقابل، تعيش إيران ضغوطاً هائلة جراء الاحتجاجات الداخلية والعقوبات الأممية التي أعيد تفعيلها في 2025، مما يجعلها تبحث عن حكومة في بغداد تضمن مصالحها، لكنها في الوقت ذاته مستعدة للتضحية بالمالكي إذا شعرت أن الإصرار عليه سيؤدي لصدام عسكري أو انهيار مالي كامل في العراق. ولا يغفل الدكتور الدليمي دور بريطانيا، التي يصفها بـ "العقل المدبر"، حيث تلعب دور المهندس الهادئ لضمان استقرار تدفقات الطاقة والوساطة بين القوى الكردية والسنية، وتدعم في الخفاء توجهات واشنطن لنزع سلاح الفصائل وضمان استمرارية العملية السياسية التي ساهمت في صناعتها.
السيناريوهات المتوقعة.. بين المواجهة والاحتراق التكتيكي
يضع الدكتور عبد الرزاق الدليمي المشهد العراقي أمام سيناريوهين لا ثالث لهما في ظل المعطيات الراهنة. السيناريو الأول هو "المواجهة والانسداد"، ويتمثل في إصرار الإطار التنسيقي على ترشيح المالكي تحدياً للفيتو الأمريكي، وهو ما قد يدفع إدارة ترامب لتنفيذ تهديداتها بقطع الدعم المالي، ما يعني انهياراً فورياً وسريعاً للدينار العراقي ودخول البلاد في نفق مظلم.
أما السيناريو الثاني، وهو الأرجح بحسب رؤية الدليمي، فهو "الاحتراق التكتيكي"، حيث يتم استخدام اسم المالكي كـ "ورقة تفاوض" عالية السقف (إظهار الموت للقبول بالحمى)، ليتم في نهاية المطاف سحب ترشيحه مقابل تمرير شخصية أخرى مقبولة دولياً، أو التجديد للسوداني بضمانات وموافقات إيرانية صريحة.
إن اعتراض ترامب وضع القوى الحاكمة أمام خيار وجودي: إما التمسك بشخصية جدلية والمغامرة بانهيار الدولة، أو البحث عن مخرج "سيادي" يحفظ ماء الوجه ويؤدي لاستبدال المرشح، وهو المسار المتوقع حدوثه في الأيام القليلة القادمة.










