ترى آنا برسكي، في مقالها المنشور في «معاريف»، أن الضجيج المتصاعد حول احتمال استئناف المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن قراءته كحراك دبلوماسي روتيني، بل كمسار سياسي-أمني معقّد، تتداخل فيه حسابات الإنجاز الشخصي لترامب مع القيود السياسية والأمنية التي تطوّق نتنياهو. ووفق هذا التصور، فإن ما قد يُعرض في واشنطن كـ«اختراق تاريخي» قد يتحول في تل أبيب إلى عبء سياسي وأمني ثقيل.
ضجيج التفاوض
تحوّل الحديث عن مفاوضات مباشرة محتملة بين واشنطن وطهران، خلال الأيام الأخيرة، من تسريبات هامسة إلى نقاش علني صاخب. التوقيت – كما تشير الكاتبة – لم يكن صدفة، بل تزامن مع رسائل إيرانية عن اتصالات قريبة، ما أعطى الانطباع بأن الأرضية تُحضّر لمسار تفاوضي جديد.
في موازاة ذلك، وصل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إلى إسرائيل للقاء بنيامين نتنياهو. في التقدير الإسرائيلي، الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل محاولة أميركية لإدارة حوار فوري لسد فجوات، وفهم الخطوط الحمراء الإسرائيلية قبل تبلور أي مسار تفاوضي.
الهدف المركزي – بحسب القراءة الإسرائيلية – كان الحصول على إجابة دقيقة: ما الذي يمكن لإسرائيل التعايش معه ضمن اتفاق محتمل، وما الذي سيدفعها إلى اعتراض علني قد يعرقل المسار كله. أي أن واشنطن أرادت معرفة حدود المناورة قبل الشروع في التفاوض.
منطق «الإنجاز»
تقدّر أوساط إسرائيلية أن ترامب يريد بالفعل فتح قناة تفاوض مع إيران، لكن ليس بدافع إيمانه بأنها ستحل جذرياً «المشكلة الإيرانية». الدافع الأرجح، وفق المقال، هو الرغبة في صناعة نتيجة قابلة للتسويق كإنجاز سياسي.
هذا المنطق يقوم على إنتاج اتفاق قصير، قابل للقياس، ويمكن عرضه إعلامياً في صورة «نصر». إنه ليس تصوراً استراتيجياً بعيد المدى، بل صيغة سريعة يمكن الإعلان عنها حتى لو بقيت القضايا الجوهرية عالقة.
لكن بخلاف ملفات أخرى، لا يمكن لواشنطن تمرير اتفاق مع إيران من دون «شهادة تأهيل» إسرائيلية. ليس بسبب فيتو رسمي، بل لأن نتنياهو يُنظر إليه داخل المعسكر الجمهوري كرمز للخط المتشدد ضد طهران، ما يجعل موقفه مؤثراً في شرعية أي اتفاق.
اختبار الخطوط الحمراء
من هنا، يُفهم وصول ويتكوف إلى تل أبيب كخطوة استباقية. الهدف لم يكن فقط استكشاف ما يمكن التفاوض عليه مع الإيرانيين، بل – وربما أساساً – ما لا يريد نتنياهو إدخاله إلى طاولة البحث.
السؤال المحوري تمثل في تحديد النقطة التي يمكن عندها عرض الاتفاق كنجاح، مقابل النقطة التي ستعتبرها إسرائيل فشلاً خطيراً. أي رسم الحد الفاصل بين «إنجاز أميركي» و«تهديد إسرائيلي».
المشكلة تبدأ من نقطة الانطلاق نفسها. طهران ترسل رسائل متصلبة مفادها أن ملفات مركزية – وعلى رأسها الصواريخ الباليستية – خارج التفاوض تماماً، ما يعني أن أي دخول أمريكي إلى المحادثات وفق هذه الشروط يُعد تنازلاً مسبقاً عن مطالب سابقة.
ترامب وفوضى القرار
تلفت برسكي إلى عنصر آخر لا يمكن تجاهله: الفوضى المعهودة في آلية اتخاذ القرار لدى ترامب. حتى لو حمل ويتكوف توجهاً واضحاً، لا يوجد يقين بأنه يستند إلى قرار رئاسي نهائي.
التقديرات الإسرائيلية ترى أن المبعوث يتحرك أحياناً ضمن نموذج عمل تراكمي: يفحص، يجسّ النبض، يبني أطر تفاوض، ثم يعرض النتائج لاحقاً على الرئيس ليقرر تبنيها أو تعديلها. أي أن المسار قد يُصاغ ميدانياً قبل إقراره سياسياً.
في مثل هذا السياق، تُطالب إسرائيل بالحذر ليس فقط من النتيجة النهائية، بل من «شكل البيع» أيضاً: كيف سيُعرض الاتفاق؟ وبأي رواية سياسية؟ لأن الصياغة الإعلامية قد تصنع واقعاً ضاغطاً حتى لو كان المضمون هشّاً.
الحسابات الداخلية
على الطاولة أيضاً اعتبارات إسرائيلية داخلية لا تُقال دائماً بصوت مرتفع. الانتخابات تقترب، وهوامش المناورة لدى نتنياهو في خوض مواجهة كبرى جديدة تتقلص.
مصادر مطلعة تقدّر أن نتنياهو لا يتطلع حالياً إلى معركة مع إيران يظهر فيها ترامب قائداً منتصراً، بينما تتعرض إسرائيل للصواريخ وتتحمل كلفة الجبهة الداخلية. في هذا السيناريو، يتحول إنجاز ترامب إلى عبء سياسي على نتنياهو.
وإذا أسفرت أي مواجهة عن إصابات أو أضرار واسعة داخل إسرائيل، فإن المسؤولية العامة ستقع على رئيس الوزراء، حتى لو كان القرار الاستراتيجي أميركياً في جوهره.
مخاطر المسار
حتى داخل المؤسسة الإسرائيلية، من يؤمن بأن إزالة التهديد الإيراني تستحق أثماناً باهظة، يدرك خطورة خطوة متسرعة. فإما اندفاعة عسكرية أوسع مما ينبغي، أو اتفاق محدود يصنع ضجيجاً كبيراً بنتيجة هزيلة.
كلا الخيارين يحمل مخاطر: الأول يجر المنطقة إلى مواجهة واسعة، والثاني يمنح إيران متنفساً استراتيجياً من دون تفكيك عناصر قوتها الأساسية.
من هنا يتعزز القلق من أن يتحول «إنجاز سريع» إلى عبء أمني طويل المدى.
رزمة التوقعات
وفق المقال، الهدف العملي لزيارة ويتكوف هو بناء «رزمة توقعات» مشتركة، لا صيغة اتفاق واحدة. أي تحديد سلّم مقاييس: ما الذي يُعد تقدماً؟ ما الذي يُعد تضليلاً؟ وما المقابل الإسرائيلي لأي دعم أو صمت.
التقدير أن نتنياهو لن يطرح إنذاراً نهائياً، بل سيفصّل مطالب وتحفظات وإضافات محتملة. بعدها يعود المبعوث إلى واشنطن، بعد اختبارها مع الإيرانيين، باقتراح عملي: ما تحقق، ما تعثر، وما بقي جزئياً.
بهذه الطريقة يُبنى الاتفاق – إن حصل – تدريجياً، لا دفعة واحدة.
عامل خامنئي
فوق كل هذه الحسابات، يحوم العامل الحاسم: المرشد الأعلى علي خامنئي. مصادر إسرائيلية تقدّر أنه يسمح حالياً لوزير الخارجية عباس عراقجي بإدارة الوقت وخلق انطباع بوجود مسار تفاوضي، من دون منحه تفويضاً لتقديم تنازلات جوهرية.
هذا يعني أن المحادثات قد تنهار سريعاً، ليس بسبب أزمة تقنية، بل لغياب إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي. أي أن المسار قد يكون تكتيكياً لكسب الوقت أكثر منه جدياً.
وعند انهياره، سيجد معسكر التفاوض في واشنطن نفسه أمام مهمة مختلفة: تبرير الفشل بالقول إن المشكلة ليست في المسار أو الوسطاء، بل في غياب شريك إيراني قابل للتفاهم. وهناك – كما تختم الكاتبة – تبدأ مرحلة جديدة، لا تقل خطورة عن المفاوضات نفسها.










