التحول الأخضر وتوطين التكنولوجيا.. 4 مسارات عملية حددها الرئيس السيسي لمستقبل التعاون مع أنقرة
شهدت القاهرة اليوم حدثاً اقتصادياً مفصلياً في تاريخ العلاقات الثنائية، حيث شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في الجلسة الختامية لمنتدى الأعمال المصري التركي.
وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن المنتدى شهد حضوراً حاشداً ضم أكثر من 460 من رؤساء وممثلي الشركات التركية العملاقة، إلى جانب نحو 270 من أقطاب القطاع الخاص المصري.
هذا التجمع الضخم لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن دخول العلاقات الاقتصادية مرحلة "التحالف الاستراتيجي الشامل".
حيث يسعى البلدان لتعظيم المنافع المتبادلة وتجاوز سقف الـ 15 مليار دولار في حجم التبادل التجاري، مستفيدين من الإرادة السياسية المشتركة والمقومات الجغرافية واللوجستية الفريدة التي تجمع ضفتي المتوسط.
مئوية الدبلوماسية.. أرقام قياسية وطموحات تتجاوز الحدود
في كلمته الختامية التي ألقاها أمام حشد من المستثمرين، أكد الرئيس السيسي أن العلاقات بين مصر وتركيا تقوم على أسس راسخة، خاصة مع مرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وأشار الرئيس إلى أن حجم التبادل التجاري الحالي الذي يلامس 9 مليارات دولار، جعل مصر الشريك التجاري الأول لتركيا في القارة الإفريقية، بينما أصبحت تركيا مقصداً رئيساً للصادرات المصرية.
ومع تجاوز الاستثمارات التركية في مصر حاجز الـ 4 مليارات دولار، شدد الرئيس على أن هذه الأرقام هي مجرد بداية لمرحلة أكثر طموحاً تستهدف الوصول إلى 15 مليار دولار، عبر استغلال الإصلاحات الهيكلية الجريئة التي نفذتها الدولة المصرية والحوافز الاستثمارية الممنوحة للشركات التركية في القطاعات ذات الأولوية الوطنية.
بنية تحتية عالمية.. 550 مليار دولار لتهيئة بيئة الاستثمار
استعرض الرئيس السيسي أمام مجتمع الأعمال التركي الجهود الجبارة التي بذلتها الدولة المصرية منذ عام 2014، حيث ضخت استثمارات تجاوزت 550 مليار دولار لتحديث شبكات الطرق، وتطوير قطاعات الطاقة والمياه، وإنشاء المدن الذكية.
وأكد الرئيس أن هذا الإنفاق الضخم لم يكن لمعالجة مشكلات الحاضر فحسب، بل لبناء أرضية صلبة لاقتصاد حديث وجاذب.
وركزت الكلمة على قطاع اللوجستيات كركيزة أساسية، مشيرة إلى تطوير ميناء الإسكندرية وميناء السخنة كأكبر ميناء محوري على البحر الأحمر، وميناء شرق بورسعيد المصنف عالمياً، مما يحول مصر إلى مركز لوجستي عالمي يربط الاستثمارات التركية بأسواق إفريقيا والشرق الأوسط عبر اتفاقيات التجارة الحرة التي تتمتع بها القاهرة.
طمأن الرئيس السيسي المستثمرين الأتراك بشأن استقرار ونمو الاقتصاد المصري، موضحاً أن الدولة نجحت في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، حيث تم الانتهاء من ست مراجعات بنجاح.
وانعكست هذه السياسات على المؤشرات الكلية، إذ سجل الاقتصاد معدل نمو بلغ 5.3٪ خلال الربع الأول من العام المالي 2025-2026.
وأكد الرئيس أن القطاع الخاص أصبح المحرك الرئيسي للتنمية، حيث يستحوذ على 66٪ من إجمالي الاستثمارات، وهو ما دفع مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية لرفع تصنيف مصر الائتماني، مما يعزز الثقة في السوق المصرية كبيئة آمنة ومربحة لرأس المال التركي الراغب في التوسع والنمو.
توطين الصناعة.. 4 مسارات عملية لمستقبل الشراكة
حدد الرئيس السيسي في ختام المنتدى أربعة مسارات عملية يجب أن يركز عليها مجتمع الأعمال في البلدين خلال المرحلة المقبلة المسار الأول يتعلق بتعزيز الاستثمارات في المجالات ذات القيمة التكنولوجية العالية مثل صناعة السيارات والكيماويات.
أما المسار الثاني فيركز على بناء شراكات لوجستية وخطوط نقل بحري تربط الموانئ المصرية بالمراكز الإقليمية وفي المسار الثالث، دعا الرئيس إلى دفع التعاون في مجالات التحول الأخضر والتصنيع النظيف تماشياً مع المعايير العالمية.
وأخيراً، شدد المسار الرابع على تفعيل آليات التواصل المباشر بين الشركات لضمان تحويل الفرص إلى عقود ومشروعات ملموسة، معتبراً تجربة مستثمري المنسوجات الأتراك في مصر نموذجاً ناجحاً يجب تعميمه في قطاعات الصحة والصناعات الدوائية.
واختتم الرئيس السيسي كلمته بالتأكيد على أن مخرجات هذا المنتدى تشكل خطوة عملية لتعميق التعاون بين القطاع الخاص في البلدين، وبناء منصات إنتاج وتصدير مشتركة.
إن التكامل بين خبرات الصناعة التركية المتقدمة ومقومات النفاذ للأسواق التي تتمتع بها مصر، يفتح آفاقاً غير مسبوقة لبناء اقتصاد متنوع وقوي يخدم تطلعات الشعبين ومع رحيل الوفد التركي من القاهرة، تبدأ اللجان الفنية ومجموعات العمل القطاعية في ترجمة هذه الرؤى إلى واقع ملموس، ليظل منتدى الأعمال المصري التركي لعام 2026 علامة فارقة في تاريخ التعاون الاقتصادي بين عملاقين يجمعهما التاريخ والجغرافيا وطموح المستقبل.








