محمد أبو سيف لـ" 180 تحقيقات": المحور المصري التركي ينهي عصر الاستقطاب الحاد في المنطقة
يُعد التقارب المصري–التركي واحداً من أهم التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت العلاقة بين القوتين المركزيتين من مرحلة الصدام الحاد إلى مسار التهدئة المستدام.
وفي حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، قدم الباحث السياسي العراقي محمد أبو سيف تحليلاً لهذا التحول، معتبراً إياه نتاجاً لتحولات بنيوية في الإقليم والنظام الدولي وليس مجرد خطوة عاطفية عابرة، فمنذ عام 2013، دخلت العلاقات مرحلة من الاستقطاب الحاد بسبب التباين في المواقف السياسية والتنافس في ليبيا وشرق المتوسط، إلا أن عام 2021 مثل نقطة انطلاق لمسار حوار استخباري وأمني أفضى في النهاية إلى تطبيع سياسي وتبادل للسفراء في 2023، وصولاً إلى القمة التاريخية في القاهرة 2026، مما يكرس واقعاً جديداً يقوم على "تصفير الأزمات" وتغليب المصلحة القومية العليا.
دوافع التحول.. الاقتصاد والبحث عن شركاء خارج الأطر التقليدية
يرى الباحث محمد أبو سيف أن المحرك الاقتصادي كان الدافع الأبرز خلف هذا التقارب؛ فتركيا التي تواجه تحديات مرتبطة بالتضخم والعملة، ترى في السوق المصرية بوابة ذهبية للنفاذ نحو القارة الإفريقية والعالم العربي ومن جانبها، تبحث مصر عن شركاء صناعيين وتكنولوجيين يمتلكون خبرات إنتاجية قادرة على دعم اقتصادها خارج إطار الدعم الخليجي التقليدي.
والمثير للاهتمام، كما يشير أبو سيف، هو أن حجم التبادل التجاري تجاوز 8 مليارات دولار حتى في ذروة القطيعة السياسية، مما كشف عن تناقض صارخ بين السياسة والاقتصاد لا يمكن استمراره طويلاً. هذا الواقع دفع الطرفين لإعادة تنشيط الاستثمارات الصناعية، حيث تستفيد مصر من التكنولوجيا التركية، بينما تجد أنقرة في القاهرة منصة إنتاجية آمنة ومركزاً لوجستياً يربط القارات الثلاث.
الملف الأمني والإقليمي: ضرورة التفاهم في ليبيا وغزة
على الصعيد الأمني، يؤكد أبو سيف أن التفاهم بات ضرورة وليس خياراً، خاصة في الملف الليبي الأكثر حساسية؛ فلا مصر قادرة على إقصاء الدور التركي، ولا تركيا قادرة على تجاهل المصالح الأمنية الحيوية لمصر، هذا التقارب أدى إلى التحول من "صراع النفوذ" إلى "إدارة التنافس"، مما ساهم في تثبيت التهدئة وتقليص احتمالات المواجهة العسكرية. وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وحرب غزة، يرى الباحث أن التقارب أوجد نوعاً من التنسيق بدل التنافس، حيث تلعب مصر دور الوسيط المركزي وتدعمها تركيا بثقلها السياسي والإنساني، مما يشكل ضغطاً أكبر على الأطراف الدولية لفرض تسوية عادلة. إن هذا التنسيق لا يعني وحدة موقف كاملة، لكنه يمثل تقاطع مصالح إنسانية وسياسية تخدم استقرار المنطقة وتمنع تمدد الصراعات.
شرق المتوسط وهندسة الطاقة.. كسر العزلة وإعادة التوازن
يمثل ملف غاز شرق المتوسط ركيزة أساسية في الرؤية الاستراتيجية التي قدمها محمد أبو سيف؛ فتركيا التي كانت معزولة نسبياً عن ترتيبات الطاقة الإقليمية، تجد في التقارب مع مصر فرصة لإعادة هندسة هذه الترتيبات بعيداً عن التحالفات المعادية. وبالنسبة لمصر، فإن التنسيق مع أنقرة يقلل من الاستقطاب الحاد في المتوسط ويفتح الباب أمام إمكانية بناء محور براغماتي غير أيديولوجي يعزز منطق الدولة الوطنية، هذا التحول الاستراتيجي يساهم في تقليل الاعتماد على القوى الدولية مثل واشنطن، ويسمح لدول المنطقة ببناء توازنات ذاتية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والبيئية، وحماية الموارد الطبيعية في ظل نظام دولي يتجه بسرعة نحو تعدد الأقطاب وغياب المركزية الغربية المطلقة.
حدود التقارب.. تفاهم استراتيجي محدود لا تحالف كامل
يطرح الباحث محمد أبو سيف تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة هذا التقارب، هل هو تفاهم مرحلي أم شراكة استراتيجية؟ والواقع الأقرب حسب تحليله هو "تفاهم استراتيجي محدود" وليس تحالفاً كاملاً وتعود أسباب هذا الموقف إلى وجود قيود جوهرية تتمثل في انعدام الثقة التاريخي، واختلاف الرؤى في بعض الملفات العميقة، وارتباط كل دولة بتحالفات دولية أخرى. لذا، فإن التقارب محكوم بمنطق "إدارة الخلاف لا إلغاؤه ومع ذلك، تظل المكاسب المحتملة ضخمة؛ فمصر تهدئ جبهة إقليمية مهمة وتجذب استثمارات كبرى، بينما تكسر تركيا عزلتها وتحسن موقعها في ملفات الطاقة، مما يعزز صورتها كقوة مسؤولة تبحث عن الاستقرار بدلاً من الصدام المستمر.
وفي قراءته لمستقبل العلاقات حتى عام 2030، يرجح أبو سيف سيناريو "استمرار التطبيع الهادئ" وتوسيع التعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني غير المعلن، ويظل السيناريو الأقل احتمالاً هو الشراكة الاستراتيجية الكاملة التي تتطلب تحولات أعمق في هيكلية الحكم والثقافة السياسية للبلدين. أما السيناريو السلبي فيرتبط بحدوث انتكاسة مؤقتة إذا تفجر ملف إقليمي كبير بشكل غير مسيطر عليه في ليبيا أو غزة.
ويرى محمد أبو سيف أن التقارب المصري–التركي ليس "حباً سياسياً" بالمعنى الرومانسي، بل هو "زواج مصالح عقلاني" فرضته الجغرافيا والاقتصاد وتحولات القوة، وهو نموذج جديد قد ينهي عصر الصراعات العبثية في الشرق الأوسط ويؤسس لمرحلة أكثر براغماتية.









