20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بكير أتاجان يكتب: أردوغان بين القيود الدستورية والمرونة السياسية

منذ تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، لم يكن رجب طيب أردوغان مجرد زعيم حزبي، بل تحوّل تدريجيًا إلى المحور الذي تدور حوله الدولة والنظام السياسي برمّته. قاد الحكومات المتعاقبة منذ عام 2002،

بقلم: د. بكير أتاجان
٥ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
14 مشاهدة
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

منذ تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، لم يكن رجب طيب أردوغان مجرد زعيم حزبي، بل تحوّل تدريجيًا إلى المحور الذي تدور حوله الدولة والنظام السياسي برمّته. قاد الحكومات المتعاقبة منذ عام 2002، ثم أعاد هندسة بنية الحكم عبر الانتقال إلى النظام الرئاسي عام 2017، في خطوة أنهت فعليًا مرحلة التوازنات البرلمانية التقليدية ورسّخت تمركز السلطة التنفيذية في مؤسسة الرئاسة.

ومع فوزه في انتخابات 2023 بولاية تُعدّ الأخيرة وفق النص الدستوري القائم، عاد سؤال الاستمرارية إلى الواجهة بقوة. ورغم القيود القانونية، لا يخفي التحالف الحاكم رغبته الصريحة في إعادة ترشيحه، كما تعكسه تصريحات دولت بهتشلي وقيادات بارزة في حزب العدالة والتنمية.

المسارات المطروحة لتحقيق ذلك تبدو محددة نظريًا:
   •   الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة بقرار من البرلمان، ما يفتح الباب دستوريًا أمام إعادة الترشح
   •   تعديل الدستور أو صياغة دستور جديد يعيد تنظيم مدد الرئاسة

غير أن موازين القوى البرلمانية الحالية تجعل خيار التعديل الدستوري بالغ الصعوبة، ما يعزز واقعية سيناريو الانتخابات المبكرة، خاصة في ظل محاولات بناء توافقات سياسية أوسع، سواء عبر مسار “تركيا بلا إرهاب” أو من خلال إعادة هندسة العلاقة مع القوى الكردية.

بعبارة أدق: استمرار أردوغان لا يُدار بوصفه مسألة قانونية مجردة، بل كمعركة سياسية ضمن شبكة معقدة من التوازنات والتحالفات.

لماذا لا يُفتح ملف الخلافة داخل حزب العدالة والتنمية؟

رغم اتساع النقاش الإعلامي حول مرحلة ما بعد أردوغان، لا تزال هذه القضية غائبة عن الخطاب الرسمي للحزب، لأسباب بنيوية واستراتيجية في آن واحد:
    1.    بقاء احتمال ترشح أردوغان يجعل أي حديث عن الخلافة بمثابة إعلان مبكر عن نهاية حقبته
    2.    الطبيعة المركزية للحزب، الذي تشكّل منذ البداية حول زعامة مؤسِّسة لا حول مؤسسات مستقلة
    3.    الخشية من أن يفتح النقاش الداخلي باب التنافس والانقسام داخل التحالف الحاكم

يضاف إلى ذلك أن التطورات الأخيرة – من الملفات الإقليمية الحساسة إلى الإعلان عن تفكيك تنظيم حزب العمال الكردستاني – أعادت تكريس صورة أردوغان باعتباره “قائد المرحلة”، ما دفع الحزب إلى تأجيل التفكير العلني في اليوم التالي.

أردوغان 3
 

الأسماء المتداولة وحدود القراءة الإعلامية

تتكرر في التحليلات الغربية والتركية أسماء بعينها بوصفها مرشحة محتملة لمرحلة ما بعد أردوغان، أبرزها:
   •   هاكان فيدان
   •   سليمان صويلو
   •   بلال أردوغان
   •   سلجوق بيرقدار

وتستند بعض التقارير، مثل تقرير الإيكونوميست، إلى استطلاعات رأي تمنح فيدان وصويلو أفضلية نسبية.

غير أن هذا النوع من التحليل يعكس مزاج الرأي العام أكثر مما يعكس منطق صناعة القرار داخل حزب قائم على مركزية القيادة. فالتجربة التركية خلال العقدين الماضيين تُظهر أن انتقال السلطة داخل العدالة والتنمية لا يُحسم وفق الشعبية الآنية، بل وفق حسابات الثقة والولاء والقدرة على ضمان استمرارية المشروع السياسي.

درس المرحلة الانتقالية: حين جاء داود أوغلو من خارج الحسابات

تقدّم تجربة اختيار أحمد داود أوغلو رئيسًا للوزراء بعد انتخاب أردوغان رئيسًا للجمهورية مثالًا صارخًا على هذا المنطق.

ففي تلك المرحلة، كانت التوقعات تشير إلى أسماء ثقيلة داخل الحزب وخارجه:
   •   بولنت أرينج
   •   بن علي يلدريم
   •   علي باباجان
   •   وحتى عبد الله غول

لكن القرار النهائي ذهب إلى شخصية لم تكن تتصدر أي ترشيحات جدية.

ثم، عندما تصاعد الخلاف بين داود أوغلو وأردوغان، جرى استبداله سريعًا ببن علي يلدريم، في خطوة أعادت ضبط السلطة وفق إرادة الزعيم لا وفق معادلات الشعبية.

هذه التجربة توضح أن آلية اختيار القيادة في العدالة والتنمية تقوم على:
   •   الثقة الشخصية
   •   القابلية لتنفيذ رؤية أردوغان
   •   القدرة على الحفاظ على وحدة الحزب والتحالف

لا على حجم التداول الإعلامي أو نتائج الاستطلاعات.

هل يتكرر سيناريو “الخيار غير المتوقع”؟

انطلاقًا من هذه الخلفية، تبدو فرضية وصول أحد الأسماء المتداولة أقل حسمًا مما يُصوَّر إعلاميًا.

بل إن السيناريو الأكثر انسجامًا مع التجربة السياسية للحزب يتمثل في:
   •   بروز شخصية جديدة نسبيًا
   •   غير مستهلكة سياسيًا
   •   قريبة من الدائرة الضيقة للرئيس
   •   تمتلك خبرة أمنية أو اقتصادية أو مؤسساتية

قد يكون اسمًا مثل إبراهيم قالن، أو تكنوقراطيًا اقتصاديًا غير معروف جماهيريًا، أو حتى شخصية لم تدخل بعد دائرة الضوء.

بمعنى آخر:
الخليفة المحتمل – إن جاءت لحظة الانتقال – قد يظهر مرة أخرى من خارج كل التوقعات.

لماذا يفضّل أردوغان عنصر المفاجأة؟

السبب ليس شخصيًا فقط، بل استراتيجيًا:
   •   الأسماء الكبيرة تمتلك شبكات نفوذ وطموحات مستقلة
   •   الشخصيات الجديدة تكون أكثر قابلية للضبط السياسي
   •   تقليل مخاطر الصراع الداخلي المبكر
   •   ضمان انتقال سلس يحافظ على تماسك الحزب

وهو ما ينسجم مع أسلوب أردوغان في إدارة السلطة طوال سنوات حكمه.

خلاصة استراتيجية

يتحرّك المشهد التركي على مستويين متوازيين:

في العلن:
إصرار التحالف الحاكم على إعادة ترشيح أردوغان والبحث عن مخارج دستورية لذلك.

في العمق:
غياب أي مسار منظم للخلافة، مع إدراك ضمني بأن الانتقال – حين يحدث – لن يكون وفق السيناريوهات الإعلامية الشائعة.

وإذا كانت التجربة السابقة معيارًا يمكن القياس عليه، فإن مرحلة ما بعد أردوغان ستشهد على الأرجح بروز قيادة غير متوقعة، تمامًا كما حدث مع أحمد داود أوغلو في لحظة مفصلية سابقة.

كلمة أخيرة

بين من يراهن على استمرار أردوغان عبر حلول دستورية، ومن ينشغل بترتيب أسماء الخلفاء المحتملين، يبقى العامل الحاسم هو طبيعة صنع القرار داخل حزب العدالة والتنمية نفسه.

التاريخ القريب للحزب يوضح أن التحولات الكبرى لا تُصاغ في استطلاعات الرأي، ولا في مقالات الصحف، بل داخل الدائرة الضيقة للقيادة.

ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس وصول أحد الأسماء المتداولة، بل ظهور شخصية جديدة تُقدَّم في اللحظة المناسبة بوصفها “رجل المرحلة”.

تمامًا كما حدث من قبل.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. بكير أتاجان

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

بكير أتاجان يكتب: أردوغان بين القيود الدستورية والمرونة السياسية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°