يواصل المستوطنون تصعيد اعتداءاتهم بحق المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، تحت حماية جيش الاحتلال وشرطته، وكان آخرها في بلدة الطيبة شرق رام الله، حيث أقدموا على إحراق مركبات وخطّ شعارات عنصرية تحرض على مزيد من الهجمات.
وتكشف هذه الاعتداءات، التي تتكرر بوتيرة متصاعدة، عن انتقال العنف الاستيطاني من مستوى الأحداث الفردية إلى نمط منظم، يعكس تحوّلًا في طبيعة الصراع على الأرض، ويؤشر إلى مرحلة أكثر خطورة من الجرائم ذات الطابع “القومي” ضد الفلسطينيين في الضفة.
خطاب العنصرية… من الهامش إلى المؤسسة
قال المستشار الخاص لمجمع الكنائس الكاثوليكية في الأراضي المقدسة، وديع أبو نصار، إن المشكلة لا تقتصر على مجموعات من المستوطنين المتطرفين، بل تمتد إلى الجهات التي تغذي خطابهم، وفي مقدمتها الحكومة والإعلام في إسرائيل.
وأوضح أبو نصار، في تصريح صباح الخميس، أن “هناك من يزرع العنصرية في أوساط فئات يهودية شابة، خاصة داخل المستوطنات، وهناك من يصمت داخل أروقة الدولة على هذه الجرائم، إضافة إلى إعلام يتجاهلها، ليصبح بمثابة الشيطان الأخرس”.
وأضاف أنه يدعو من أجل ضحايا الاعتداءات كي يمنحهم الله الثبات والقوة، كما دعا لمن وصفهم بالعنصريين وداعميهم، سواء بالفعل أو بالصمت، “علّهم يرون وجه الله في كل إنسان، لا فيمن يوافقهم فقط”.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الاعتداءات لم تعد مجرد انفلات أمني، بل نتيجة مباشرة لبنية سياسية وإعلامية وثقافية تسمح للعنف بالتحول إلى خطاب مشروع داخل المجتمع الإسرائيلي.
الطيبة نموذجًا لواقع فلسطيني أوسع
تأتي الاعتداءات الأخيرة في سياق متكرر، إذ سبق أن تعرضت بلدة الطيبة، كبقية البلدات الفلسطينية، لهجمات مماثلة، كان آخرها في يوليو الماضي، حين أدان بطاركة ورؤساء كنائس القدس اعتداءات المستوطنين، وطالبوا بتوفير حماية دولية للفلسطينيين.
وانتقدت القيادات الكنسية آنذاك التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي قللت من خطورة الاعتداءات، ووصفتها بأنها “أضرار مادية بسيطة”، معتبرة ذلك تشويهًا متعمّدًا للواقع وتغافلًا عن انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
وتحمل خمس بلدات فلسطينية اسم الطيبة في مناطق مختلفة (رام الله، جنين، الخليل، مرج بن عامر، وبني صعب داخل أراضي 48)، وجميعها، إلى جانب عشرات البلدات الفلسطينية على جانبي الخط الأخضر، تعاني من تصاعد اعتداءات المستوطنين، ما يعكس شمولية الظاهرة واتساع رقعتها الجغرافية.

العنف يتجاوز الضفة… استهداف الفلسطينيين داخل أراضي 48
في السياق ذاته، تعرض طلاب مدرسة ابن خلدون الثانوية من مدينة سخنين داخل أراضي 48، أمس الأربعاء، لاعتداء من مستوطنين خلال رحلة مدرسية قرب منطقة عين جدي في وادي عربة، حيث رُشّوا بغاز الفلفل، ما أدى إلى إصابة 13 طالبًا نُقلوا لتلقي العلاج.
ويكشف هذا الاعتداء أن دائرة العنف الاستيطاني لا تقتصر على الضفة الغربية، بل تمتد إلى الفلسطينيين داخل أراضي 48، في مؤشر على تصاعد خطاب الكراهية وتحوله إلى ممارسات ميدانية تستهدف المدنيين، بما في ذلك الطلبة.
اختبار المؤسسة العسكرية… بين التصريحات والفعل
من جهتها، دعت صحيفة “هآرتس” العبرية، اليوم الخميس، قائد جيش الاحتلال إيال زامير إلى التحرك الجاد وعدم الاكتفاء بالتصريحات، معتبرة أن وقف اعتداءات المستوطنين يشكل “الاختبار الحقيقي” للمؤسسة العسكرية.
وكان زامير قد صرّح بأن على الجيش مواجهة ما وصفه بـ”عنف المستوطنين”. وشددت “هآرتس”، على أن التصريحات لا تعوّض غياب الأفعال، مطالبة القيادة العسكرية باتخاذ خطوات عملية لردع المستوطنين.
وتعكس هذه المواقف انقسامًا داخل الخطاب الإسرائيلي نفسه، بين اعتراف محدود بخطورة الظاهرة وبين عجز واضح عن مواجهتها، في ظل نفوذ التيار الاستيطاني داخل المنظومة السياسية والأمنية.
علاقة تفكك متبادل
في قراءة أوسع للسياق السياسي، يؤكد المحامي الإسرائيلي المناهض للصهيونية ميخائيل سفارد وجود علاقة مباشرة بين استمرار الاحتلال وتآكل ما يُعرف بالديمقراطية الإسرائيلية، وتفاقم القمع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
ويربط سفارد، في كتابه الجديد “الاحتلال من الداخل: رحلة إلى جذور الانقلاب الدستوري”، بين نظام السيطرة المفروض على الفلسطينيين منذ عام 1967، وبين التحولات السياسية والقانونية التي تشهدها إسرائيل في السنوات الأخيرة، في ظل صعود اليمين الاستيطاني-الديني ومساعيه لتقويض مؤسسات الدولة.
ويشير الكاتب إلى أن سياسات القمع لا تطال الفلسطينيين في الضفة وغزة فقط، بل تمتد إلى الفلسطينيين داخل أراضي 48، وكذلك إلى اليهود المعارضين لنهج اليمين، في ما يعكس، بحسبه، ارتدادات الاحتلال على المجتمع الإسرائيلي من الداخل.
الإرهاب اليهودي.. من ظاهرة هامشية إلى خطر إستراتيجي
وسبق أن حذر تقرير إسرائيلي من تصاعد متسارع في الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتحوله إلى ظاهرة واسعة ذات أبعاد أمنية وإستراتيجية، تهدف لتقويض الوجود الفلسطيني، وتنطوي على مخاطر جدية في تفجّر “موجات عنف” واسعة، وإلحاق ضرر متزايد بالمكانة الدولية لإسرائيل.
وبيّن التقرير الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، في 21 يناير الماضي، أن السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ 7 أكتوبر 2023، شهدت قفزة نوعية وكمّية في الاعتداءات التي ينفذها يهود ضد فلسطينيين، في سياق “صراع على السيطرة على الأرض” و”محاولات متزايدة لتقويض الوجود الفلسطيني، خصوصًا في المناطق المصنّفة ج”.
وتكشف هذه المعطيات أن العنف الاستيطاني لم يعد مجرد رد فعل على أحداث أمنية، بل سياسة غير معلنة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر استنزاف الوجود الفلسطيني وتحويل الحياة اليومية إلى حالة دائمة من التهديد والخوف.
عنف “قومي” يتجاوز الأفراد
تؤكد الوقائع الميدانية والتصريحات السياسية والتقارير البحثية أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من منظومة أوسع من العنف “القومي” الذي يتغذى على خطاب سياسي وديني وإعلامي، ويحظى بحماية مباشرة أو غير مباشرة من مؤسسات الاحتلال.
وفي ظل استمرار هذا المسار، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة جديدة من الصراع، لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل تتجسد في صراع يومي على الأرض والهوية والوجود، حيث يتحول المستوطن من فاعل هامشي إلى أداة مركزية في إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي في الضفة، بينما يتحمل الفلسطيني كلفة متصاعدة لعنف يتجاوز حدود القانون والسياسة نحو منطق القوة المجردة.











