مع مطلع عام 2026، أعاد جاريد كوشنر طرح مشروعه المثير للجدل والمعروف باسم “غزة الجديدة” ، مقدّمًا إياه كنموذج لرؤية اقتصادية شاملة تهدف، بحسب توصيفه، إلى نقل قطاع غزة من حالة الانهيار الكلي إلى اقتصاد سوق منفتح يعتمد على الاستثمار الخاص والبنية التحتية المتطورة.
هذه الخطة التي كُشف عن تفاصيلها في منتدى دافوس الاقتصادي، جاءت محمّلة بأرقام طموحة تستهدف استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار، ورفع الناتج المحلي الإجمالي لغزة إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2035، مع وعود بخلق نصف مليون فرصة عمل وتحقيق "توظيف كامل".
فجوة الأرقام
وفي رؤية نقدية لهذه الأرقام، يؤكد الأستاذ الدكتور سمير أبو مدللة أن هذه الطموحات تصطدم بحجم دمار غير مسبوق؛ فتقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة الحقيقية تتجاوز 70 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من ضعفي ما تقترحه الخطة، وإن الواقع الميداني يتطلب إزالة ما يزيد على 60 مليون طن من الركام، وإعادة بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية وإصلاح شبكات المياه والكهرباء التي خرجت عن الخدمة تماماً، مما يجعل الفجوة بين التمويل المقترح والاحتياج الفعلي ليست مجرد تفصيل تقني، بل تعكس اختلافاً جذرياً في قراءة الواقع وتجاهلاً لحجم الكارثة.
استنزاف رأس المال البشري والكارثة المؤسسية
ويرى الدكتور أبو مدللة أن الدمار المادي لا ينفصل عن الكارثة البشرية؛ فبحلول عام 2026، تجاوز عدد الشهداء 70 ألفاً مع وجود أكثر من 100 ألف جريح، نسبة كبيرة منهم يعانون من إعاقات دائمة، هذا النزيف يمثل استنزافاً عميقاً لرأس المال البشري الذي يُفترض أن يقود أي عملية تعافٍ. وعلى الصعيد المؤسسي، فإن خروج 80% من المستشفيات عن الخدمة وتدمير 85% من المدارس والجامعات يهدد جيلاً كاملاً بفقدان حقه في التعليم، ما يجعل الوعود الاقتصادية لـ "غزة الجديدة" تفتقر للركيزة الأساسية لأي نمو، وهي الإنسان والمؤسسات الضامنة لتطوره.
ملف الأسرى والمعتقلين كبعد حقوقي معقد
وفي تحليله للواقع الميداني، يسلط الدكتور سمير أبو مدللة الضوء على ملف الأسرى والمعتقلين الذي تجاوز عددهم 10 آلاف أسير في السجون الإسرائيلية، بينهم نساء وأطفال، وآلاف المحتجزين تحت مسمى "الاعتقال الإداري"، هذا البعد الحقوقي والقانوني يضيف ثقلاً لا يمكن تجاهله عند الحديث عن "اليوم التالي" أو إعادة الإعمار؛ إذ لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي أو اجتماعي في ظل تغييب آلاف العائلات وانتهاك الضمانات القانونية الأساسية، وهو ما يسقط من حسابات المشاريع التنموية البحتة التي تتجاهل الجانب الإنساني والسياسي المرتبط بالحرية.
معضلة السيادة
تكمن الإشكالية الكبرى في مشروع كوشنر، حسب رؤية أبو مدللة، في افتراض إمكانية إطلاق نمو اقتصادي في ظل بيئة خاضعة لإجراءات احتلالية صارمة، فحركة البضائع والأفراد تظل رهينة منظومة تحكّم خارجية، كما يظهر في معبر رفح الذي يُدار وفق ترتيبات أمنية معقّدة تجعل الحركة غير مستقرة. إن فتح المعابر بصيغتها الحالية لا يعني حرية تجارة، بل هو "استثناء مؤقت" يمكن تعطيله في أي لحظة. وبالتالي، فإن الحديث عن استثمارات خاصة ومناطق صناعية وسياحة ساحلية في غزة يظل تصوّراً نظرياً منفصلاً عن شروط السوق الفعلية التي تتطلب سيادة كاملة على الموارد والمعابر.
يخلص الأستاذ الدكتور سمير أبو مدللة إلى أن المعضلة الأساسية في مشروع “غزة الجديدة”، هي فصل الاقتصاد عن جذوره السياسية؛ فالخطة تتعامل مع غزة كمشكلة تنموية تقنية، بينما هي قضية سياسية بامتياز نتجت عن حصار واحتلال، وإن الإعمار المرتبط بالترتيبات الأمنية يعيد إنتاج منطق «الهدوء مقابل الإعمار»، ويحول حياة مليوني إنسان إلى ملف أمني بدلاً من قضية حقوق وسيادة، وفي النهاية، يؤكد أبو مدللة أن غزة لا تحتاج فقط إلى المليارات، بل إلى تغيير جذري في الشروط السياسية التي تضمن ملكية السكان لمواردهم وحرية حركتهم، ودون ذلك، ستظل «غزة الجديدة» مجرد مشروع معلّق بين أوراق الخطط وواقع الأرض المرير.









