تمثّل استعادة سوريا لقطاع الطاقة تحولًا مفصليًا يتجاوز البعد الاقتصادي ليطال مفهوم السيادة وإعادة بناء الدولة. فعودة أحد أهم مفاصل الاقتصاد إلى قبضة الحكومة تعني عمليًا تقليص فاتورة الاستيراد المرتفعة، وتعزيز الإيرادات العامة، وتحسين قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والوقود.
وتفتح هذه الخطوة الباب أمام إعادة تنظيم سوق الطاقة محليًا بعد سنوات من الفوضى والاعتماد على مصادر مكلفة وغير مستقرة، فيما تراهن الحكومة على أن يؤدي هذا التحول إلى تخفيف الضغوط على المالية العامة، ودعم استقرار سعر الصرف، وتحسين توافر المواد الأساسية، إلى جانب تهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار في إعادة تأهيل الحقول المتضررة وشبكات النقل والتكرير.
وفي هذا السياق، بدأت الشركة السورية للبترول تسلّم الحقول المستعادة تباعًا وإجراء تقييمات فنية للأضرار، تمهيدًا لإطلاق أعمال صيانة وتشغيل عاجلة تهدف إلى رفع الإنتاج تدريجيًا، وأعلنت تسلّم حقل الجبسة في محافظة الحسكة وبدء الإشراف المباشر عليه ضمن خطة لإعادة إدخاله في الدورة الإنتاجية.
وتنظر دمشق إلى هذه الخطوة بوصفها مدخلًا لإعادة بناء قطاع الطاقة على أسس مركزية، بما يضمن توجيه الموارد لخدمة مختلف المحافظات، ويضع حدًا لمرحلة طويلة خرجت فيها الثروات الوطنية عن السيطرة الرسمية، في أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في مستقبل الاقتصاد السوري.
خريطة النفط والغاز: العمود الفقري للاقتصاد الوطني
تشكل مناطق الشمال الشرقي والشرق العمود الفقري لإنتاج النفط في سوريا، حيث تتركز الحقول الأهم في الحسكة ودير الزور. ففي الحسكة، تمتد الكتلة الأكبر من الآبار ضمن مجمّع الرميلان الذي يضم حقول السويدية وكراتشوك ورميلان، ويحتوي على أكثر من 1300 بئر، ما يجعله الخزان الأوسع للنفط الثقيل والمتوسط في البلاد.
ويبرز حقل الجبسة في ريف الحسكة الجنوبي بوصفه عقدة طاقية مزدوجة للنفط والغاز، إذ تتجاوز أهميته قدرته الإنتاجية المرتفعة إلى دوره كمحطة معالجة وربط لشبكات الأنابيب المتجهة نحو المنطقة الوسطى، فضلًا عن مساهمته المباشرة في تغذية محطات توليد الكهرباء بالغاز.
وفي الشرق، يتصدر حقل العمر المشهد بصفته أكبر حقل نفطي في سوريا بطاقة إنتاجية تاريخية قاربت 80 ألف برميل يوميًا، تليه حقول التنك والمحطة الثانية، ما يمنح دير الزور وزنًا حاسمًا في معادلة الإنتاج الوطني.
وتقدّر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 2.5 مليار برميل، بينما يدور الإنتاج الحالي حول 100 ألف برميل يوميًا. ومع معالجة الأعطال التقنية في الحقول المستعادة، تراهن وزارة النفط على رفع الإنتاج تدريجيًا، وتشير تقديرات عام 2026 إلى أن التشغيل بكامل الطاقة قد يدفع بالإنتاج لتجاوز 150 ألف برميل يوميًا في مرحلة أولى.
ويتيح تحقيق هذا المستوى للمصافي المحلية في حمص وبانياس الاكتفاء بالخام المحلي وتأمين احتياجات السوق من المشتقات، بما يعيد رسم توازن الطاقة داخليًا ويخفف الضغط على الاستيراد.
الغاز والكهرباء: معادلة الاستقرار الداخلي
يشكّل الغاز الطبيعي الركيزة الأساسية لمنظومة الكهرباء في سوريا، ويتركز ثقله السيادي في المنطقة الوسطى، ولا سيما بادية حمص التي تضم حقول الشاعر وحيان وجزل بوصفها المصدر الأهم لإمدادات الغاز الموجهة لتوليد الطاقة الكهربائية.
وفي الشرق، تبرز منشأة معمل غاز كونيكو في دير الزور كأحد أهم مراكز معالجة الغاز المرافق ودعامة رئيسية لرفد محطات التوليد بالكميات اللازمة لتشغيل الشبكة الكهربائية.
وتكتسب استعادة هذه الموارد أهمية خاصة في ظل العجز الطاقي المزمن، إذ يُخصص نحو 79% من إنتاج الغاز الحالي لتشغيل محطات توليد الكهرباء، وتقدّر الاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي بنحو 285 مليار متر مكعب، فيما يبلغ الإنتاج الراهن قرابة 12.5 مليون متر مكعب يوميًا.
وبحسب خطة الدولة لعام 2026، يُستهدف رفع الإنتاج إلى نحو 15 مليون متر مكعب يوميًا، وهو مستوى يُتوقع أن يسهم في إنهاء أزمة التقنين الكهربائي وتأمين إمدادات مستقرة للمدن الصناعية، بما يدعم استعادة النشاط الإنتاجي وتحريك عجلة الاقتصاد.
الموارد والتحديات: من إدارة النقص إلى إعادة التشغيل
تظهر أرقام احتياطي النفط والغاز أن سوريا تمتلك موارد ضخمة واعدة، خصوصًا مع تحسن الاستقرار الأمني والسياسي في المناطق الشرقية. غير أن الحكومة تواجه تحديات أساسية تتعلق بإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة في قطاع الطاقة، وتأمين تعاون تقني خارجي، وجذب استثمارات قادرة على رفع الطاقة الإنتاجية تدريجيًا.
ولا تعني استعادة حقول الطاقة استعادة الموارد الطبيعية فحسب، بل تمثل أيضًا إعادة دمج الدورة الاقتصادية للبلاد تحت مظلة السيادة الوطنية، حيث ستتمكن الحكومة من توجيه عائدات النفط والغاز مباشرة إلى الخزينة العامة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وتحسين مستوى الدخل.
وبذلك، يتحول قطاع الطاقة من ملف استنزاف للموارد المالية إلى قاطرة تقود النمو الاقتصادي في سوريا الجديدة، وتضمن توزيع الثروة الوطنية بعدالة على مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.
ويشير مختصون إلى أن سوريا انتقلت في قطاع الطاقة من مرحلة "إدارة النقص" إلى مرحلة "إعادة التشغيل"، غير أن التعافي الكامل يتطلب استثمارات ضخمة لإصلاح البنية التحتية التي تعرضت لخسائر كبيرة.
الاستثمارات الأجنبية: بوابة الاقتصاد وإشارة السياسة
في موازاة استعادة الحقول البرية، أعلنت وزارة الطاقة السورية توقيع مذكرة تفاهم تُعد الأولى من نوعها في مجال التنقيب والاستكشاف البحري بين الشركة السورية للنفط وكل من شركة "شيفرون" الأميركية وشركة "باور إنترناشونال القابضة" القطرية، بهدف استكشاف فرص الاستثمار في قطاعي النفط والغاز.
وكانت سوريا قد وقعت في نوفمبر الماضي مذكرة تفاهم مع شركتي "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" الأميركيتين لتطوير قطاع الغاز وزيادة الإنتاج من الحقول القائمة واكتشاف حقول جديدة، كما وقعت مذكرة مماثلة مع "دانة غاز" الإماراتية تمهيدًا للاستثمار في قطاع الطاقة عبر إعادة تطوير وتوسعة عدد من الحقول الاستراتيجية للغاز.
وأوضح وزير الطاقة السوري محمد البشير أن الاتفاقية الجديدة تهدف إلى إطلاق استكشافات بحرية للغاز لأول مرة في تاريخ سوريا، مع توقع بدء عمليات الإنتاج خلال سنوات، بما يسهم في تلبية الاحتياجات المحلية من الغاز الطبيعي.
وتركّز مذكرة التفاهم على إعداد برنامج استكشاف أولي للحقول البحرية قبالة الساحل السوري، بما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية، ويوفر فرص عمل للشباب، ويسهم في نقل الخبرات الفنية وبناء القدرات الوطنية في مجال الاستكشاف البحري.
ومن المقرر أن تتحول المذكرة إلى عقد رسمي خلال الفترة المقبلة، استنادًا إلى العرض المقدم من الشركة السورية للبترول، وقد جرى توقيعها في دمشق بحضور مدير الشركة السورية للبترول وعدد من الوزراء، إلى جانب السفير القطري في سوريا والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك.
وأكد مدير الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن هذه المذكرة تمثل أول تجربة تنقيب واستكشاف بحري في تاريخ سوريا، موضحًا أنها تُنفَّذ بالشراكة مع "شيفرون" و"باور إنترناشونال القابضة"، وتهدف إلى تطوير حقول النفط والغاز، إضافة إلى تدريب وتأهيل الكوادر الوطنية على تقنيات العمل البحري، في ظل غياب خبرات محلية سابقة في هذا المجال.
وأشار قبلاوي إلى أن الاستكشاف البحري عملية مكلفة وطويلة الأمد، تتطلب فترة تتراوح بين 4 و5 سنوات للوصول إلى تقديرات دقيقة للمخزون الغازي والثروات الكامنة، مؤكدًا أن نتائجها ستنعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط والبعيد.
كما لفت إلى أن حقول شرق الفرات تعاني حالة تدهور وتهالك نتيجة الاستجرار المفرط خلال السنوات الماضية، ما يستدعي تنفيذ برامج صيانة وإعادة تأهيل واسعة.
تقاطع الاستثمار والسياسة: إعادة رسم التموضع الدولي
يتقاطع مسار الاستثمار في قطاع الطاقة مع تحولات سياسية واضحة في المشهد السوري. فقد بحث الرئيس السوري أحمد الشرع مع وفد أميركي برئاسة المبعوث توماس باراك التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في وقت كانت دمشق توقع فيه مذكرة التفاهم مع شركتي "شيفرون" و"باور إنترناشونال القابضة".
وخلال توقيع المذكرة، قال باراك إن سوريا "تبهر من جديد بقيادتها ونسيجها"، معتبرًا أن "شيفرون" من الشركات التي تعمل في بيئات مرتبطة بالتوجهات السياسية والاقتصادية الدولية، وأن هذه الشراكة تمثل خطوة تحويلية لرسم صورة جديدة لسوريا بعد سنوات من التحديات.
وأكد باراك أن القيادة السياسية تشكل ركيزة أساسية في مرحلة التعافي والاستقرار، وأن الاستثمار في قطاع الطاقة يمثل مدخلًا رئيسيًا لخلق فرص عمل وتحسين مستوى المعيشة.
وفي السياق ذاته، أعرب ممثل شركة "شيفرون" فرانك مورك عن وجود فرص استثمارية واعدة في قطاع الطاقة السورية، والتطلع إلى توسيع آفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، أعلنت الشركة السورية للبترول في 25 يناير الماضي بدء فرقها الفنية عمليات استخراج النفط من الحقول التي حررها الجيش من تنظيم YPG الإرهابي، ومع استعادة الحكومة السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز، تتشكل، بحسب مراقبين، أهم انعطافة اقتصادية في البلاد منذ عقود.
البعد العسكري والتحالفات: توازن بين واشنطن وموسكو
لا ينفصل مسار الاستثمار عن إعادة التموضع العسكري والسياسي. ففي الوقت الذي تنفتح فيه دمشق على شراكات اقتصادية مع شركات أميركية وقطرية وإماراتية، بحثت سوريا وروسيا تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والتنموي، إلى جانب ملف الوجود العسكري الروسي في البلاد.
وجاء ذلك خلال لقاء جمع وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة مع وفد روسي رفيع المستوى في دمشق، ضم وزير الإسكان الروسي ومستشار الرئيس الروسي ونائب وزير الدفاع، حيث تناولت المحادثات آفاق التعاون العسكري والاقتصادي في إطار التنسيق القائم بما يخدم المصالح المشتركة.
كما التقى نائب وزير الدفاع الروسي الوفد العسكري السوري بحضور رئيس هيئة الأركان العامة وعدد من كبار الضباط، لبحث سبل تطوير التعاون العسكري المشترك وتعزيز العلاقات بين البلدين.
وتأتي زيارة الوفد الروسي إلى دمشق بعد نحو أسبوع من ثاني زيارة أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو منذ توليه الحكم أواخر يناير 2025، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الطاقة كرافعة لإعادة تعريف سوريا
تكشف المعطيات المتراكمة أن سوريا لا تستعيد قطاع الطاقة بوصفه موردًا اقتصاديًا فحسب، بل تستخدمه كرافعة لإعادة تعريف موقعها السياسي والعسكري في الإقليم. فالانفتاح على الاستثمارات الأميركية والخليجية في قطاع النفط والغاز، بالتوازي مع الحفاظ على الشراكة العسكرية مع روسيا، يعكس محاولة سورية لإعادة صياغة توازناتها الدولية على قاعدة المصالح الاقتصادية والسيادية.
وفي هذا السياق، تتحول الاستثمارات في قطاع الطاقة إلى لغة سياسية جديدة، تعكس إعادة تموضع تدريجية بين محورين: محور تقليدي قائم على التحالف العسكري مع موسكو، ومحور اقتصادي ناشئ يقوم على جذب الاستثمارات الغربية والخليجية.
وتشير هذه المعادلة إلى أن سوريا تدخل مرحلة جديدة، لا تقوم فقط على إعادة الإعمار، بل على إعادة بناء نموذج الدولة، حيث يصبح النفط والغاز ليس مجرد موارد طبيعية، بل أدوات لإعادة تشكيل الاقتصاد والتحالفات والسيادة.
وبين استعادة الحقول البرية وإطلاق الاستكشاف البحري، وبين الانفتاح على واشنطن والحفاظ على الشراكة مع موسكو، تتبلور ملامح سوريا جديدة، تحاول تحويل قطاع الطاقة من ساحة صراع إلى منصة لإعادة التموضع السياسي والعسكري، ومن ملف استنزاف إلى محور استقرار ونفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.










