4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

العفو الدولية: كبار السن في غزة يواجهون "إهمالاً ممنهجاً" وانهياراً صحياً شاملاً

كشفت منظمة العفو الدولية، بالتعاون مع منظمة "هيلب إيدج إنترناشيونال"، عن واقع كارثي يواجه كبار السن داخل القطاع المحاصر.

بقلم: محمد خميس
٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
العفو الدولية

العفو الدولية

في تقرير حقوقي صادم يعكس عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة في فبراير 2026، كشفت منظمة العفو الدولية، بالتعاون مع منظمة "هيلب إيدج إنترناشيونال"، عن واقع كارثي يواجه كبار السن داخل القطاع المحاصر.

 وأكدت المنظمتان أن هذه الفئة الهشة تعاني من أزمة صحية وجسدية ونفسية حادة، ناتجة عما وصفتاه بـ "الإهمال الممنهج" وتدهور غير مسبوق في ظروف العيش والكرامة الإنسانية.

 يأتي هذا التدهور في ظل إصرار الاحتلال الإسرائيلي على فرض قيود مشددة على إدخال المساعدات الطبية والغذائية، مما جعل البقاء على قيد الحياة لكبار السن معركة يومية غير متكافئة.

وأوضحت الأبحاث المشتركة أن سياسة الحصار وتجفيف منابع الدعم الإنساني أدت إلى تفاقم الأمراض المزمنة لدى المسنين، حيث اضطر الكثير منهم إلى اتخاذ قرارات مصيرية مؤلمة. 

وأشارت الشهادات الميدانية إلى أن شح الغذاء دفع كبار السن إلى تفويت وجباتهم بالكامل لإتاحة القليل المتوفر من الطعام لأحفادهم وأفراد أسرهم، في إيثار بطولي يقابله عجز دولي عن توفير الحد الأدنى من الحماية. 

كما اضطر آخرون إلى تقليص جرعات الأدوية المخصصة لأمراض القلب والسكري والضغط، بسبب نفاد المخزون الطبي ومنع دخول الشحنات الجديدة، مما يعرض حياتهم لخطر الموت المفاجئ.

إحصائيات المسح الصحي

كشف المسح الذي أجرته منظمة "هيلب إيدج إنترناشيونال"، وشمل عينة من 416 مسناً، عن أرقام مرعبة تعكس حجم المعاناة؛ حيث تبين أن 76% من كبار السن يعيشون في خيام مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الصرف الصحي أو التدفئة، بينما أفاد 84% بأن ظروفهم المعيشية الحالية تنتهك خصوصيتهم بشكل صارخ وتؤثر سلباً على صحتهم النفسية والجسدية. 

ولم تتوقف المعاناة عند السكن، بل امتدت لتشمل عدم الاستقرار الجغرافي، حيث أكد 79% من المشاركين تعرضهم للتهجير القسري أكثر من ثلاث مرات منذ أكتوبر 2023، وهو ما ينهك أجسادهم التي لم تعد تحتمل مشقة التنقل تحت القصف.

وفيما يتعلق بالأمن الغذائي والدوائي، أظهرت النتائج أن 68% من المسنين اضطروا للتوقف عن تناول أدويتهم أو تقليل حصصهم الدوائية لضمان استمرارها لفترة أطول، في حين سجل المسح أن 11% منهم لم يتناولوا أي وجبة طعام خلال 24 ساعة سابقة لإجراء المقابلة، هذه الأرقام تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مرة، وهي أن كبار السن في غزة يتم دفعهم نحو الموت البطيء نتيجة تعمد إخضاعهم لظروف معيشية تهدف إلى تدميرهم مادياً ونفسياً، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية "جريمة صامتة" تتطلب تحركاً دولياً فورياً.

القتل العمد تحت ستار "الوفاة الطبيعية" وانهيار المنظومة الطبية

سلطت منظمة العفو الدولية الضوء على قضية في غاية الخطورة، وهي الارتفاع المتزايد في وفيات كبار السن نتيجة انعدام الرعاية الصحية وسوء التغذية.

 وأوضحت التقارير أن غياب آلية فعالة لدى وزارة الصحة في غزة لرصد الحالات الناتجة عن الجوع المباشر يؤدي غالباً إلى تسجيل هذه الوفيات كـ "وفيات طبيعية"، إلا أن الواقع الميداني يؤكد أن هذه الوفيات هي نتيجة مباشرة لسياسات التجويع المتعمد وتدمير النظام الصحي، وهو ما يشكل نمطاً من أنماط القتل العمد المحظور بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، حيث يتم حرمان المرضى من حقهم في العلاج حتى الموت.

من جانبه، أكدت إريكا غيفارا روساس، من منظمة العفو الدولية، أن القيود القاسية واللاإنسانية التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول الأدوية ومواد الإيواء لا يمكن تبريرها بأي ذريعة أمنية، بل هي جزء من سياسة أوسع للعقاب الجماعي.

 وطالبت المنظمة برفع الحصار "فوراً ودون قيد أو شرط"، مشددة على أن حقوق كبار السن واحتياجاتهم الإنسانية ليست قضية ثانوية يمكن تأجيلها، بل هي جوهر الالتزامات الدولية التي يجب على العالم احترامها لوقف نزيف الأرواح في قطاع غزة.

إن ما يواجهه كبار السن في غزة اليوم هو اختبار لضمير الإنسانية؛ فبينما يصارعون الأمراض والجوع والتهجير، تبقى الحلول الدولية حبيسة الأروقة السياسية وإن حماية "جيل النكبة" ومن تبقى من كبار السن في غزة تتطلب أكثر من مجرد إدانات ورقية؛ تتطلب فتحاً كاملاً للمعابر وتدفقاً غير مشروط للمساعدات الطبية والغذائية. إن استمرار تجاهل هذه الفئة يعني الحكم بالموت على آلاف الحكماء والآباء الذين يمثلون ذاكرة الأرض والهوية، وهو ما لن يغفره التاريخ للقوى الصامتة عن هذه الانتهاكات الممنهجة.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال