21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: السِّياسَةُ الضَّرِيبيَّةُ في لبنان.. حينَ تَتَحوَّلُ «الإِصلاحاتُ» إلى أداةِ تَدميرٍ لِلمُواطِن

في كُلِّ أَزمةٍ ماليَّةٍ أَوِ اقتصاديَّةٍ يمرّ بها لبنان، تعودُ الطَّبقةُ السِّياسيَّةُ إلى الوَصفةِ نَفسِها: فَرضُ المَزيدِ مِنَ الضَّرائبِ والرُّسومِ

بقلم: د. ليون سيوفي
٦ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
14 مشاهدة
السِّياسَةُ الضَّرِيبيَّةُ في لبنان

السِّياسَةُ الضَّرِيبيَّةُ في لبنان

في كُلِّ أَزمةٍ ماليَّةٍ أَوِ اقتصاديَّةٍ يمرّ بها لبنان، تعودُ الطَّبقةُ السِّياسيَّةُ إلى الوَصفةِ نَفسِها: فَرضُ المَزيدِ مِنَ الضَّرائبِ والرُّسومِ تحتَ عنوانِ «الإِصلاحِ» و«إِنقاذِ الخَزينةِ». وكأنَّ المُواطِنَ اللُّبنانيَّ هو دائماً الحَلَقةُ الأَضعفُ التي يُسمَحُ باستنزافِها بلا حدود، فيما تَبقى مَكامِنُ الهَدرِ والفَسادِ والنَّهبِ خارجَ أَيِّ مُساءلةٍ جِدِّيَّة.

السِّياسَةُ الضَّرِيبيَّةُ التي يُطالِبُ بها اليومَ مُعظَمُ النُّوّابِ والسِّياسيِّين لا تُمثِّلُ حَلّاً للأَزمة، بل تُشكِّلُ في جَوهَرِها مَشروعَ تَدميرٍ بَطيءٍ لِما تَبقّى مِنَ الطَّبقةِ الوُسطى في لبنان، وضَرباً مُباشِراً لِقُدرةِ النّاسِ على الصُّمودِ في وَجهِ الانهيار. فبدلاً مِن مُعالَجةِ جُذورِ الأَزمة، يتمّ اللُّجوءُ إلى أَسهَلِ الطُّرق: تحميلُ المُواطِنِ ثَمنَ فَشلِ الدَّولةِ وسوءِ إِدارتِها.

مُنذُ بدايةِ الانهيار، ارتفَعَتِ الضَّرائبُ والرُّسومُ بشكلٍ غيرِ مُباشِر، عبرَ رَفعِ أَسعارِ الخَدَمات، وزيادةِ الرُّسومِ البلديَّة، والضَّرائبِ على الاستهلاك، والمَحروقات، والاتِّصالات، والاستيراد، والتَّسجيل، والمُعامَلاتِ الإداريَّة. كُلُّ ذلك جرى من دونِ أَيِّ تحسُّنٍ في مُستوى الخَدَمات، أَو أَيِّ إِصلاحٍ فِعليٍّ في بُنيةِ الدَّولة. المُواطِنُ يَدفَعُ أَكثر، ويأخذُ أَقلّ، ويُطلَبُ منه الصَّبرُ باسمِ «الظُّروفِ الاستِثنائيَّة».

المُشكِلةُ الأَساسيَّةُ في هذه السِّياسَةِ أَنَّها تَفتقِرُ إلى أَيِّ عَدالةٍ اجتماعيَّة. فهي لا تُميِّزُ بينَ فَقيرٍ ومَيسور، ولا بينَ مُنتِجٍ ومُحتكِر، ولا بينَ مَن راكمَ ثَروتَه بطرقٍ مشروعةٍ ومَن نَهَبَ المالَ العامّ. الجميعُ يُعامَلونَ بالطَّريقةِ نَفسِها، إِلّا أَصحابَ النُّفوذِ الحقيقيِّين، الذين يَبقَون خارجَ دائرةِ المُساءلة.

في الدُّوَلِ التي تعتمدُ سياساتٍ ضريبيَّةً سليمة، تُستَخدَمُ الضَّرائبُ كأداةٍ لتحقيقِ العَدالةِ والتَّنمية، عبرَ تحميلِ أَصحابِ الثَّرواتِ الكُبرى والشَّركاتِ الاحتكاريَّة العبءَ الأَكبر، وتَخفيفِ الضَّغطِ عن الفِئاتِ الضَّعيفةِ والمُنتِجة. أَمّا في لُبنان، فالضَّرائبُ تُستَخدَمُ كأداةِ جِبايةٍ عَشوائيَّة، هدفُها سَدُّ ثقوبِ خَزينةٍ مَثقوبةٍ أَصلاً بالفَسادِ والمُحاصَصة.

الأَخطَرُ مِن ذلك، أَنَّ هذه السِّياسَةَ تُؤدِّي إلى نتائجَ عَكسيَّة. فحينَ يُرهَقُ المُواطِنُ بالضَّرائب، تَتراجَعُ قُدرتُه على الاستهلاك، وتَضعُفُ الحَركةُ الاقتصاديَّة، وتُغلَقُ المُؤسَّسات، ويزدادُ عددُ العاطلينَ عن العَمَل، وتَتراجَعُ الإيراداتُ بدلَ أَن تَرتفِع.

كما أَنَّ الضَّغطَ الضَّريبيَّ غيرَ المَدرُوس يدفعُ شَريحةً واسعةً من النّاسِ إلى الاقتصادِ غيرِ الشَّرعيّ، والتَّهَرُّبِ الضَّريبيّ، والعملِ خارجَ النِّظام، لأَنَّهم لم يعودوا قادرينَ على الالتزامِ بقوانينَ لا تَحميهم ولا تُؤمِّنُ لهم الحَدَّ الأَدنى من الكرامة.

إِنَّ ما يجري اليومَ هو مُحاولةٌ واضحةٌ للهُروبِ من الإِصلاحِ الحقيقيّ. فبدلاً من استعادةِ الأَموالِ المَنهوبة، وضَبطِ التَّهريبِ والاحتكار، وإِصلاحِ قِطاعِ الكهرباء، وإِعادةِ هيكلةِ الإِدارات، ومُحاربةِ الفَسادِ بجدِّيَّة، يتمّ اللُّجوءُ إلى جيبِ المُواطِن كحلٍّ سريعٍ وسهل.

هذه ليست سياسةً ماليَّة، بل سياسةُ إِفلاسٍ أَخلاقيٍّ وإداريّ، وتعكسُ عَقليَّةً تعتبرُ المُواطِنَ مُجرَّدَ مُمَوِّلٍ دائمٍ لفَشلِ الدَّولة، لا شريكاً في الوطن ولا أَساساً للاستقرار.

ماذا يحتاج لبنان؟

لبنان لا يحتاجُ إلى مزيدٍ من الضَّرائب، بل إلى دَولةٍ عادلة. لا يحتاجُ إلى رَفعِ الرُّسوم، بل إلى خَفضِ الهَدر. لا يحتاجُ إلى إِنهاكِ النّاس، بل إلى استعادةِ الثِّقةِ بينَ المُواطِنِ ومُؤسَّساتِه. فالاقتصادُ لا يُبنى على الجِبايةِ وحدَها، بل على الإِنتاج، والشَّفافيَّة، والعَدالة، وحُكمِ القانون.

في الخُلاصة، إِنَّ السِّياسَةَ الضَّرِيبيَّةَ الحاليَّةَ والمُقتَرَحة ليست طريقاً للإِنقاذ، بل مَساراً واضحاً نحوَ مزيدٍ من الانهيارِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ في لبنان. وإذا استمرَّت على هذا النَّحو، ستؤدِّي إلى تفريغِ البلدِ من طاقاته، وتحويلِه إلى مُجتمعٍ فقيرٍ مُنهكٍ فاقدٍ للأَمل.

الإِصلاحُ الحقيقيُّ يَبدأُ من أَعلى الهَرَم، لا من جيوبِ النّاس. ومن دونِ تغييرِ هذه العَقليَّة، سيبقى المُواطِنُ يَدفَع، والدَّولةُ تَفشل، والوطنُ يَنزِف.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير