21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الجولة الأولى لمفاوضات مسقط: اختبار الإرادة تحت ظل القوة وإعادة تعريف قواعد الاشتباك النووي

انتهت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط، دون تحقيق اختراق فعلي، لكنها فتحت باباً لمسار تفاوضي جديد بعد أشهر من القطيعة والتصعيد العسكري.

بقلم: أخبار ومتابعات
٧ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
18 مشاهدة
انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات مسقط

انتهاء الجولة الأولى من مفاوضات مسقط

انتهت الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في العاصمة العُمانية مسقط، دون تحقيق اختراق فعلي، لكنها فتحت باباً لمسار تفاوضي جديد بعد أشهر من القطيعة والتصعيد العسكري. الإعلان عن انتهاء الجولة ترافق مع تأكيد متبادل على استمرار المحادثات خلال أيام، ما يعكس حرص الطرفين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم الهوة العميقة في المواقف.

الجولة عُقدت في أجواء مشحونة سياسياً وأمنياً، إذ جاءت بعد ضربات أمريكية استهدفت مواقع في البرنامج النووي الإيراني خلال صيف العام الماضي، وبعد حرب قصيرة ومباشرة بين إسرائيل وإيران. هذا السياق جعل من مسقط ساحة اختبار أولية لمدى قابلية الطرفين للعودة إلى الدبلوماسية، دون أن يعني ذلك استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية.

إيران، من جهتها، حرصت على توصيف الجولة بوصفها “بداية جيدة” لا أكثر، فيما تعاملت واشنطن معها كفرصة لقياس رد الفعل الإيراني تحت الضغط. وبين هذا وذاك، بدت الجولة الأولى أقرب إلى جسّ نبض سياسي وأمني، منها إلى مفاوضات تفصيلية حول اتفاق محدد المعالم.

وساطة عُمانية نشطة

لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط المحوري في إدارة هذه الجولة، عبر دبلوماسية هادئة اعتمدت على اللقاءات المنفصلة وتبادل الرسائل بين الوفدين. وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي قاد هذا المسار، مستفيداً من رصيد طويل من الثقة مع الطرفين، ومحاولاً منع انزلاق المحادثات إلى الفشل المبكر.

اقرأ أيضا: بدأت المفاوضات: محادثات مسقط بين الضغط العسكري وخيارات التسوية الاستراتيجية

الوساطة العُمانية ركزت في هذه المرحلة على تهيئة المناخ السياسي والنفسي للحوار، أكثر من السعي إلى إنتاج تفاهمات تقنية معقدة. هذا النهج يعكس إدراك مسقط لحجم انعدام الثقة المتراكم، ولصعوبة القفز مباشرة إلى ملفات حساسة دون بناء أرضية أولية.

ومع ذلك، فإن محدودية نتائج الجولة الأولى تضع الوسيط العُماني أمام تحدٍ حقيقي في الجولات المقبلة، إذ سيكون مطلوباً الانتقال من إدارة الحوار إلى محاولة تضييق فجوة المواقف، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية المحيطة بالملف النووي الإيراني.

صراع الأجندات التفاوضية

كشفت جولة مسقط بوضوح عن صدام مباشر بين أجندتين تفاوضيتين متعارضتين. إيران دخلت المحادثات وهي تصر على حصر النقاش في الملف النووي ورفع العقوبات الأمريكية، معتبرة أن أي توسيع لجدول الأعمال يمثل تجاوزاً للخطوط الحمراء السيادية.

في المقابل، أظهرت واشنطن تمسكاً بمقاربة “الملفات الشاملة”، عبر إدراج برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي وسجل حقوق الإنسان ضمن أي تسوية محتملة. هذا التباين جعل الجولة الأولى تدور في حلقة مفرغة، حيث لم يتمكن أي طرف من فرض إطار تفاوضي مقبول للطرف الآخر.

هذا الصراع في الأجندات لا يعكس خلافاً تقنياً فحسب، بل يعبر عن اختلاف جذري في تصور كل طرف لطبيعة الاتفاق المنشود. فبينما تسعى طهران إلى اتفاق محدود يعيد إنتاج صيغة شبيهة باتفاق 2015، تريد واشنطن صفقة أوسع تعيد رسم سلوك إيران الإقليمي والدفاعي.

التفاوض تحت التهديد

أحد أكثر عناصر الجولة إثارة للجدل كان الحضور العسكري غير المباشر في خلفية المحادثات، سواء عبر التهديدات الأمريكية المعلنة أو من خلال مشاركة قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر ضمن الوفد الأمريكي. هذا الحضور فُسر في طهران باعتباره رسالة ضغط وردع، أكثر منه خطوة لبناء الثقة.

إيران رأت في هذه المقاربة محاولة للتفاوض “تحت فوهة السلاح”، وهو ما حذرت من أنه قد يقوض المسار الدبلوماسي برمته. مصادر إيرانية اعتبرت أن الجمع بين التهديد العسكري والمفاوضات يزيد من كلفة الحوار، ويعزز الشكوك حول نيات واشنطن الحقيقية.

في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية مقتنعة بأن الضغط العسكري والسياسي هو الأداة الأنجع لدفع طهران إلى تقديم تنازلات. هذا التناقض في مقاربة التفاوض يجعل من مسقط ساحة اختبار دقيقة، حيث يتداخل المسار الدبلوماسي مع حسابات الردع والتصعيد.

أزمة الثقة المتراكمة

انعدام الثقة شكّل العنوان الأبرز للجولة الأولى، وهو عامل يتجاوز الخلافات التقنية حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش. طهران لا تزال تنظر إلى واشنطن من زاوية تجربة الانسحاب الأمريكي من اتفاق 2015، وسياسة “الضغط الأقصى” التي ألحقت أضراراً عميقة بالاقتصاد الإيراني.

المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف (في الوسط)، وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، خلال اجتماع في مسقط، في 6 فبراير2026. AFP


 

الاحتجاجات الأخيرة داخل إيران، وما تلاها من اعترافات أمريكية بدور العقوبات في تفاقم الأزمة الاقتصادية، عززت هذا الشعور بالارتياب. بالنسبة لصناع القرار في طهران، فإن أي اتفاق جديد دون ضمانات حقيقية سيكون عرضة للانهيار مع أي تغيير في المزاج السياسي الأمريكي.

من جهتها، تشكك واشنطن في نوايا إيران، وتخشى من أن تستخدم المفاوضات لكسب الوقت دون تغيير جوهري في سلوكها النووي. هذا التشكك المتبادل يجعل من بناء الثقة التحدي الأكبر أمام أي تقدم حقيقي في الجولات المقبلة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

الاتفاق على عقد جولة جديدة خلال أيام يشير إلى رغبة متبادلة في إبقاء المسار مفتوحاً، لكنه لا يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق. السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في مفاوضات مطولة، تركز على إجراءات مرحلية لتخفيف التوتر دون معالجة شاملة لجذور الخلاف.

في حال أصرت واشنطن على توسيع جدول الأعمال، وواصلت طهران رفضها القاطع لذلك، قد تصل المحادثات إلى طريق مسدود يعيد شبح التصعيد العسكري إلى الواجهة. هذا الاحتمال يبقى قائماً، خاصة في ظل البيئة الإقليمية المتقلبة وضغوط الحلفاء على الإدارة الأمريكية.

أما سيناريو التوصل إلى إطار تفاهم أولي، فيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة، أو على الأقل تجميد بعض الملفات الخلافية مؤقتاً. حتى ذلك الحين، ستظل مفاوضات مسقط اختباراً مفتوحاً لإرادة الطرفين، بين دبلوماسية حذرة وتصعيد مؤجل.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الجولة الأولى لمفاوضات مسقط: اختبار الإرادة تحت ظل القوة وإعادة تعريف قواعد الاشتباك النووي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°