21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

صراع الجنرالات والسياسيين.. كواليس الانقسام الإسرائيلي حول المرحلة المقبلة من الصراع

إن خيارات القيادة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة باتت محاصرة بين مزاج شعبي غاضب يطالب بالمحاسبة على إخفاقات الماضي

بقلم: محمد خميس
٧ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
الانقسام الإسرائيلي

الانقسام الإسرائيلي

يعيش الكيان الإسرائيلي في مطلع عام 2026 حالة من التيه السياسي والاستراتيجي غير المسبوقة، حيث تتداخل ارتدادات الحرب المستمرة على قطاع غزة مع أزمات الداخل العميقة التي لم تندمل جراحها منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. 

إن المشهد الحالي يتسم باستقطاب حاد تجاوز حدود النقاش البرلماني ليصل إلى تهديد تماسك المجتمع الإسرائيلي نفسه، خاصة مع بروز "مفاوضات مسقط" كمنعطف جديد في مسار الأزمة. 

هذه المفاوضات، التي جرت برعاية عمانية ودولية مكثفة، أحدثت هزة عنيفة في أروقة الحكم بالقدس، مابين تيار حكومي يراها ضرورة لإنهاء حالة الاستنزاف، ومعارضة تتهم الحكومة بتقديم تنازلات تمس بأمن إسرائيل القومي.

 إن خيارات القيادة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة باتت محاصرة بين مزاج شعبي غاضب يطالب بالمحاسبة على إخفاقات الماضي، وبين ضغوط دولية تطالب بإنهاء الصراع والاعتراف بالواقع الجيوسياسي الجديد الذي فرضته الحرب.

متابعة ردود الفعل

جاءت نتائج مفاوضات مسقط لعام 2026 لتصب الزيت على نار الخلافات المشتعلة أصلاً بين أقطاب الائتلاف اليميني الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو وبين معارضة يقودها يائير لابيد وبيني غانتس، حيث اعتبرت الحكومة أن ما تم التوصل إليه يمثل "أفضل الممكن" لاستعادة المحتجزين وتبريد الجبهات المشتعلة. 

في المقابل، شنت المعارضة هجوماً كاسحاً وصفت فيه النتائج بأنها "استسلام علني" واعتراف بفشل الاستراتيجية العسكرية التي اتبعتها الحكومة طوال عامين من الحرب، مؤكدة أن نتنياهو يسعى فقط لتأمين بقائه السياسي الشخصي على حساب الردع الإسرائيلي. 

هذا الانقسام لم يتوقف عند التصريحات، بل انتقل إلى الكنيست الذي شهد جلسات عاصفة وتبادل للاتهامات بالخيانة، مما يشير إلى أن مفاوضات مسقط قد تكون المسمار الأخير في نعش التوافق الوطني الهش، وربما تكون الشرارة التي ستدفع نحو انتخابات مبكرة تعيد تشكيل الخارطة السياسية بالكامل.

الجدل المستمر حول 7 أكتوبر

رغم مرور أكثر من عامين على أحداث السابع من أكتوبر، إلا أن هذا التاريخ لا يزال يمثل العقدة الأكبر في العقل الجمعي الإسرائيلي ومحركاً رئيساً للجدل السياسي الحالي في عام 2026. 

إن استمرار رفض الحكومة تشكيل لجنة تحقيق رسمية "ذات صلاحيات واسعة" للمساءلة عن الفشل الاستخباراتي والعسكري في ذلك اليوم، أدى إلى اتساع الفجوة بين الجمهور والقيادة السياسية والعسكرية. 

المعارضة الإسرائيلية، مدعومة بحراك شعبي تقوده عائلات القتلى والمحتجزين، تصر على أن أي تسوية سياسية أو مفاوضات في مسقط لا تسبقها محاسبة شفافة للمسؤولين عن إخفاق 7 أكتوبر هي تسوية فاقدة للشرعية. 

هذا الجدل تحول إلى أداة ضغط يومية في الشوارع، حيث تتواصل مظاهرات "السبت" في تل أبيب للمطالبة برحيل النخبة الحاكمة، مما يجعل من تركة ذلك اليوم ثقباً أسود يبتلع أي محاولة للحكومة لتسويق نجاحات وهمية في ملفات أخرى.

المزاج السياسي الإسرائيلي

أحدثت الحرب الطويلة على غزة تحولاً عميقاً في المزاج السياسي للجمهور الإسرائيلي، حيث يظهر جلياً في عام 2026 تآكل القوى التقليدية لصالح صعود تيارات يمينية متطرفة ترى في "الحسم العسكري المطلق" الحل الوحيد، وفي المقابل نشوء تكتل واسع من "الوسط القلق" الذي بدأ يقتنع بعدم جدوى الخيارات العسكرية الصرفة. 

إن هذا التشرذم في الوعي السياسي الإسرائيلي يعكس حالة من الإحباط وفقدان الثقة في قدرة القيادة الحالية على توفير الأمن الشخصي للمواطنين، خاصة في مستوطنات الغلاف والشمال. 

وتظهر استطلاعات الرأي أن المزاج العام يميل نحو الشخصيات التي تجمع بين الخبرة العسكرية والقدرة على الحديث مع المجتمع الدولي، وهو ما يفسر تقدم أسماء من جنرالات الاحتياط في بورصة الترشيحات، بينما يتراجع بريق الشعارات الأيديولوجية الكبرى أمام الرغبة الشعبية في الاستقرار وإنهاء حالة الطوارئ المستديمة التي استنزفت الاقتصاد والمجتمع.

خيارات القيادة في المرحلة المقبلة

تقف القيادة الإسرائيلية في فبراير 2026 أمام خيارات أحلاها مر؛ فالمضي في تنفيذ استحقاقات مفاوضات مسقط قد يعني تفكك الائتلاف الحكومي تحت ضغط الوزراء المتطرفين الذين يرفضون أي تنازلات، بينما يعني رفض النتائج الدخول في صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي، مع ما يترتب على ذلك من عقوبات وعزلة اقتصادية خانقة.

 وتشير التحليلات إلى أن نتنياهو قد يلجأ إلى استراتيجية "كسب الوقت" والمناورة بين المتناقضات، محاولاً تصدير أزمة الداخل إلى الخارج عبر افتعال توترات أمنية محدودة، إلا أن هذه المناورة باتت مكشوفة أمام معارضة قوية وشعب لم يعد يحتمل المزيد من المغامرات. 

إن الخيار الأكثر ترجيحاً هو الذهاب نحو "تسوية اضطرارية" قصيرة المدى تضمن استعادة الهدوء النسبي، مع التضحية ببعض الرؤوس السياسية الكبيرة لتهدئة غضب الشارع، تمهيداً لمرحلة انتقالية قد تشهد تغييراً جذرياً في هوية من يمسك بزمام السلطة في إسرائيل.

إن ارتدادات الداخل المتمثلة في الانقسام السياسي الحاد، وارتدادات الخارج المتمثلة في مفاوضات مسقط وضغوطها، وضعت القيادة الإسرائيلية أمام الحقيقة المرة؛ وهي أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لحماية المشروع الصهيوني في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة وإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إصلاح نفسه من الداخل، أو الانزلاق نحو فوضى سياسية قد تنهي حقبة بأكملها من هيمنة اليمين، ليبقى السؤال الأهم: هل تستطيع إسرائيل تجاوز صدمة 7 أكتوبر وبناء استراتيجية جديدة، أم أن الارتدادات ستبقى تطاردها حتى ينهار الجدار من الداخل؟.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

صراع الجنرالات والسياسيين.. كواليس الانقسام الإسرائيلي حول المرحلة المقبلة من الصراع - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°