يشهد اليمن في مطلع شهر فبراير لعام 2026 حراكاً سياسياً وإنسانياً هو الأكثف منذ سنوات، حيث تتقاطع مسارات إعادة ترتيب البيت الداخلي للشرعية مع جهود دولية وإقليمية حثيثة لإنهاء الملفات الإنسانية العالقة.
إن إعلان مجلس القيادة الرئاسي عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني مثل نقطة تحول جوهرية تهدف إلى ضخ دماء جديدة في جسد الدولة المثخن بالأزمات، وتزامن هذا الإعلان مع انطلاق جولة جديدة وحاسمة من مشاورات الأسرى والمختطفين في العاصمة الأردنية عمان، مما أعطى انطباعاً بأن اليمن يدخل مرحلة "تصفير الأزمات" تمهيداً لتسوية سياسية شاملة.
إن الأنظار تتجه اليوم صوب عدن وعمان لرصد مدى قدرة الإدارة الجديدة على إحداث فرق ملموس في حياة المواطنين، ومدى جدية الأطراف المتصارعة في تقديم تنازلات مؤلمة لطي صفحة الحرب التي استنزفت مقدرات البلاد لسنوات طويلة.
حكومة شائع الزنداني.. ردود فعل متباينة وتطلعات لإنقاذ الاقتصاد المنهار
استقبل الشارع اليمني والقوى السياسية نبأ تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني بمزيج من التفاؤل الحذر والترقب الشديد، حيث يرى الكثيرون أن اختيار الزنداني، بشخصيته الدبلوماسية المتزنة، يعكس رغبة في تحسين علاقة اليمن بالمجتمع الدولي وجلب المزيد من الدعم الاقتصادي.
دولياً، سارعت عواصم كبرى ومنظمات دولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، إلى الترحيب بهذه الخطوة، معتبرة إياها خطوة ضرورية لتعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة.
ومع ذلك، تواجه الحكومة الجديدة انتقادات من بعض المكونات التي ترى أن المحاصصة السياسية لا تزال تطغى على المعايير المهنية، مما يضع الزنداني أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرة فريقه على وقف تدهور العملة الوطنية وتحسين الخدمات الأساسية التي باتت تؤرق كاهل المواطن اليمني البسيط في ظل أزمة معيشية خانقة.
مشاورات عمان للأسرى.. اختراق في جدار الصمت ومبدأ "الكل مقابل الكل"
في موازاة الحراك الحكومي، تشهد العاصمة الأردنية عمان جولة مفاوضات تقنية وعالية المستوى بين ممثلي الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، تركز بشكل أساسي على ملف الأسرى والمختطفين والمخفيين قسرياً تحت إشراف مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وتشير التقارير الواردة من كواليس المشاورات لعام 2026 إلى وجود تقدم ملحوظ في تزمين عمليات التبادل القادمة، وسط إصرار حكومي على تطبيق مبدأ "الكل مقابل الكل" وتحديداً الكشف عن مصير الشخصيات المشمولة بقرارات مجلس الأمن الدولي والمخفيين قسرياً لسنوات.
إن مخرجات مشاورات الأردن لا تمثل مجرد صفقة تبادل إنسانية، بل هي "مقياس للثقة" بين الأطراف، حيث أن النجاح في هذا الملف الحساس قد يمهد الطريق لفتح ملفات أكثر تعقيداً مثل فتح الطرقات والمعابر في تعز والمدن الأخرى، وبدء حوار سياسي مباشر ينهي حالة الانقسام السيادي والمؤسسي.
التحديات الأمنية والعسكرية.. كيف ستتعامل حكومة الزنداني مع التصعيد الحوثي؟
لا يمكن فصل النجاح السياسي لحكومة شائع الزنداني عن الواقع الميداني المعقد، حيث تواصل جماعة الحوثي تحركاتها العسكرية وتصعيدها في بعض الجبهات الحيوية مثل مأرب والضالع، بالإضافة إلى استمرار تهديداتها للملاحة الدولية في البحر الأحمر.
إن الرد الدولي على تشكيل الحكومة أكد على ضرورة انخراط كافة الأطراف في عملية سلام "يمنية-يمنية" شاملة، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى أن الحكومة الجديدة ستحتاج إلى بناء قوة ردع عسكرية موحدة تحت قيادة وزارة الدفاع لضمان فرض السلام من موقع القوة.
ويرى محللون أن حكومة الزنداني مطالبة بتفعيل العمل الاستخباراتي والأمني المشترك لمنع الاختراقات في المناطق المحررة، وفي الوقت ذاته الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة لتجنب العودة إلى مربع الحرب الشاملة التي قد تقوض كافة الجهود المبذولة في مسار التهدئة الجاري حالياً.
آفاق المرحلة المقبلة.. هل ينجح الزنداني في صناعة الفرق المرجو؟
تضع المرحلة المقبلة حكومة الزنداني أمام تحديات استراتيجية تتجاوز مجرد إدارة الأزمات اليومية، حيث يطالب المانحون والشركاء الدوليون بإصلاحات هيكلية واسعة في البنك المركزي ومنظومة الجمارك والضرائب لضمان وصول المساعدات لمستحقيها.
إن نجاح مشاورات الأسرى في الأردن سيعطي الحكومة الجديدة دفعة معنوية قوية وسيعيد بناء جسور الثقة المفقودة مع الشارع، لكن الاستدامة تتطلب رؤية وطنية لتوحيد الموارد المالية وصرف مرتبات الموظفين بانتظام في كافة محافظات الجمهورية.
إن عام 2026 قد يكون "عام الحسم" لليمن، فإما أن تنجح حكومة الزنداني في تحويل الزخم الدولي إلى استقرار داخلي ملموس، أو أن تظل رهينة للتجاذبات السياسية والعسكرية التي قد تعيد البلاد إلى نقطة الصفر، ليبقى الأمل معلقاً على ما ستسفر عنه الأيام القادمة في أروقة السياسة وميادين التفاوض.
اليمن في انتظار "فجر السلام" الذي طال انتظاره
يمثل فبراير 2026 نافذة أمل جديدة لليمنيين الذين أتعبتهم سنوات الصراع والتشرد، حيث تجتمع في هذا الشهر إرادة التغيير الحكومي مع رغبة الانفراج الإنساني في ملف الأسرى.
إن حكومة الدكتور شائع الزنداني ليست مجرد تشكيل وزاري عابر، بل هي اختبار حقيقي لمجلس القيادة الرئاسي وللمجتمع الدولي في مدى صدق النوايا لإنقاذ اليمن من الهاوية وإن المضي قدماً في تنفيذ مخرجات مشاورات عمان وتوفير الغطاء السياسي والمالي للحكومة الجديدة هو السبيل الوحيد لضمان عدم ضياع هذه الفرصة التاريخية، ليبقى اليمن، بجغرافيته وتاريخه، قادراً على النهوض مجدداً من وسط الأنقاض ليرسم مستقبلاً يليق بتضحيات شعبه الصابر الذي يتطلع لليوم الذي تسكت فيه المدافع وتفتح فيه السجون ويعود فيه الوطن لكل أبنائه دون استثناء.










