تعد السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة والضفة الغربية وحتى الداخل السجون، جزءاً من منظومة متكاملة لا تهدف فقط إلى السيطرة العسكرية، بل تتجاوز ذلك إلى هندسة الوعي الفلسطيني عبر "سياسة الإذلال الممنهج".
وفي حديث خاص لـ "180 تحقيقات"، كشف الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني الدكتور مأمون أبو عامر، عن أبعاد هذه السياسة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية الحالية، مؤكداً أن ما يحدث في معبر رفح وفي مراكز الاعتقال ليس مجرد إجراءات أمنية عارضة، بل هو نهج مدروس يهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية وتحويل قطاع غزة إلى مكان يلفظ سكانه بفعل الضغط المادي والمعنوي المستمر.
الإذلال كأداة سياسية وعقيدة أمنية
يوضح الدكتور مأمون أبو عامر أن سياسة الإذلال تعتبر جزءاً لا يتجزأ من برنامج العمل الحكومي في إسرائيل، وهي سياسة تظهر ملامحها بوضوح داخل السجون الإسرائيلية، حيث يواجه الأسرى الفلسطينيون ظروفاً قاسية تهدف إلى النيل من كرامتهم وتنسحب هذه السياسة لتشمل المدنيين في قطاع غزة، خاصة عند نقاط التفتيش والحدود.
ويشير أبو عامر إلى الشهادات الفظيعة والمروعة التي نقلها المعتقلون، من كبار وصغار ونساء، حول آليات التفتيش المهينة والتعامل اللاإنساني الذي يهدف إلى ترسيخ الشعور بالهزيمة والدونية لدى الإنسان الفلسطيني، وهي سياسة مبرمجة لا تنفصل عن خطة "الإبادة الشاملة" التي تستهدف الحاجات الأساسية للبقاء.
معبر رفح.. الانفتاح الشكلي والواقع المأساوي
يتطرق المحلل السياسي إلى قضية معبر رفح، معتبراً أن ما تروج له إسرائيل حول تسهيلات أو فتح للمعابر هو محض خديعة إعلامية.
ويرى أبو عامر أن إسرائيل تقع في حرج أمام الإدارة الأمريكية، خاصة بعد أن قدمت المقاومة الفلسطينية كافة الالتزامات اللازمة للمرحلة الأولى من التفاهمات، مما أسقط الذرائع الإسرائيلية للاستمرار في الإغلاق الشامل ومن هنا، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى "الفتح الشكلي" للمعبر للظهور بمظهر المتجاوب مع الضغوط الدولية، بينما تظل النتائج على الأرض هزيلة جداً ولا تؤثر في الواقع المأساوي لآلاف الفلسطينيين العالقين أو الجرحى.
وبلغة الأرقام، يصف أبو عامر حجم الكارثة؛ حيث تتحدث التقارير عن خروج ودخول أعداد ضئيلة جداً لا تتجاوز العشرات يومياً، في وقت يحتاج فيه أكثر من 20 ألف جريح إلى السفر الفوري لتلقي العلاج في الخارج لإنقاذ حياتهم هذا التناقض بين الحاجة الفعلية والعدد المسموح له بالمرور يمثل "نقطة في بحر"، ويهدف بالأساس إلى استمرار حالة الضغط النفسي والمادي على المجتمع الفلسطيني، وجعل التفكير في "الرحيل" هو الخيار الوحيد المتبقي أمام المواطنين الذين تقطعت بهم السبل.
واقع ما بعد 7 أكتوبر.. اليد الطليقة ومنهجية القتل
ينتقل الدكتور مأمون أبو عامر لتحليل المشهد العسكري والأمني، موضحاً أن القادة الإسرائيليين يروجون لفكرة مفادها أن "ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله" هذه العقيدة الجديدة تعني أن الجيش الإسرائيلي لم يعد يمتلك "طول البال" أو الرغبة في احتواء المشهد، بل أصبح ينتهج سياسة الضربات الاستباقية والمفتوحة ضد أي تحرك يشتبه في كونه تهديداً، دون الحاجة لتحديد حجم الخطر أو فعليته. هذا المشهد الذي نراه في غزة هو ذاته الذي يتكرر في لبنان، حيث تعتبر إسرائيل نفسها صاحبة "اليد الطليقة" في المنطقة، بعيداً عن أي محاسبة دولية أو قانونية.
ويؤكد أبو عامر أن هناك "منهجية قتل" واضحة تعتمدها حكومة بنيامين نتنياهو لإيصال رسالة بأن الحرب لم تنتهِ ولن تتوقف، بل ما يحدث هو مجرد "خفض لمستوى العمليات" في بعض المناطق ، نتنياهو يسعى من خلال هذا الغموض إلى طمأنة معارضيه واليمين المتطرف بأنه مستمر في ملاحقة المقاومة الفلسطينية في كل الساحات، مما يعني أن غزة ستبقى تحت وطأة الاستهداف المباشر وغير المباشر لفترة طويلة، طالما أن الهدف النهائي هو منع تعاظم أي قوة فلسطينية على الأرض.
غزة والهدف الاستراتيجي.. بيئة طاردة للسكان
في ختام تحليله، يرى الدكتور أبو عامر أن كافة هذه المسارات من إذلال الأسرى، وخنق المعابر، ومنهجية القتل المستمر تصب في خانة واحدة وهي تحويل قطاع غزة إلى مكان "غير قابل للعيش" والاحتلال لا يريد إعطاء أي "جائزة" للفلسطينيين، حتى لو كانت إنسانية بحتة، بل يسعى لتكريس واقع الإحباط واليأس وإن منع عودة العائلات العالقة في الخارج، وتعطيل خروج الجرحى، وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة، هي أدوات ضغط تهدف في النهاية إلى دفع الفلسطيني للتفكير في الهجرة القسرية أو الطوعية بحثاً عن الكرامة والحياة، وهو ما يمثل ذروة المخطط الإسرائيلي في الصراع الحالي.








