تُشكل التحقيقات المستمرة مع عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي، خاصة أولئك المعتقلين الذين تسللوا من الأراضي السورية باتجاه العراق في الآونة الأخيرة، كنزاً معلوماتياً استراتيجياً لا يقدر بثمن للأجهزة الأمنية العراقية والدولية على حد سواء.
ووفقاً للقراءة التحليلية المفصلة التي قدمها الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي، المحلل السياسي وعميد كلية الإعلام الأسبق بجامعة بغداد، فإن هذه الاعترافات لا تقتصر على كشف تحركات أفراد معزولين، بل تزيح الستار عن استراتيجية شاملة يحاول التنظيم من خلالها إعادة إحياء نفسه والالتفاف على الهزائم العسكرية التي مني بها.
ويؤكد الدليمي في تصريحاته الخاصة لموقع "180 تحقيقات" أن التنظيم انتقل من مرحلة السيطرة المكانية المباشرة إلى مرحلة "التسلل الناعم"، معتمداً على مسارات عبور معقدة تستغل الفراغات الأمنية في المناطق الحدودية الوعرة، لا سيما في غرب نينوى وشمال وجنوب القائم، حيث توفر التضاريس القاسية غطاءً طبيعياً بعيداً عن أعين الرقابة التقليدية.
وتشير الاعترافات التي أدلى بها المتسللون إلى أن التنظيم يعتمد بشكل أساسي على الجغرافيا الصعبة، مثل وادي حوران ووادي القذف، التي تعمل كممرات آمنة توفر حماية ضد الاستطلاع الجوي والاستهداف المركز، وما يثير القلق بشكل أكبر هو لجوء العناصر المتسللة إلى تكتيكات التمويه البصري والاجتماعي، حيث يتحركون بزي رعاة الأغنام أو البدو الرحل للاندماج في البيئة المحلية وتضليل الكاميرات الحرارية وأجهزة الرصد المتطورة، هذا التغيير في التكتيك يعكس مرونة استخباراتية يحاول التنظيم استغلالها لتعويض خسائره الميدانية، مما يفرض على الأجهزة الأمنية العراقية ضرورة تحديث أدواتها الرقابية لتشمل الرصد البشري المكثف بجانب التكنولوجيا المتقدمة، لضمان عدم اختراق هذه العناصر للعمق العراقي وتشكيل بؤر إرهابية جديدة في المناطق التي استعادت استقرارها بصعوبة.
شبكات الدعم اللوجستي والتمويل
لا تتحرك عناصر التنظيم في فراغ، بل تستند إلى شبكة معقدة من الدعم اللوجستي والتسهيلات الداخلية التي كشفت التحقيقات عن تفاصيلها الصادمة. يوضح الدكتور عبد الرزاق الدليمي أن هناك ما يُعرف بـ "المضافات الصحراوية"، وهي عبارة عن نقاط ارتكاز مخفية بعناية في قلب الصحراء، تضم بيوتاً طينية وخيماً وكرفانات مجهزة مسبقاً بالمؤن والوقود، هذه النقاط تعمل كمحطات استراحة وإعادة تجهيز للمتسللين قبل انطلاقهم نحو أهدافهم النهائية. والأخطر من ذلك هو دور "الخلايا النائمة الخدمية"، وهم عناصر غير مؤشرين أمنياً ولا يشاركون في الأعمال القتالية المباشرة، بل تنحصر مهامهم في توفير الغطاء اللوجستي من هويات مزورة، ووسائل نقل، وأجهزة اتصال متطورة، مما يجعل تعقبهم من قبل الأجهزة الاستخباراتية تحدياً كبيراً يتطلب جهداً أمنياً مضاعفاً وتدقيقاً في السجلات المدنية وحركة الأفراد في المناطق النائية.
وفيما يخص الجانب المالي، كشفت التحقيقات عن تحول في أساليب التمويل، حيث يتم الاعتماد على "الحوالات الصغيرة" عبر مكاتب صرافة أو أفراد يعملون في تجارة العملة بطرق غير رسمية، هذه المبالغ البسيطة يصعب تعقبها عبر الأنظمة المالية الدولية، وتُستخدم لدفع الرشاوي لبعض المهربين أو شراء مستلزمات البقاء الأساسية، كما لم يتوانَ التنظيم عن استخدام أساليب الابتزاز ضد سكان المناطق النائية، وإجبارهم تحت تهديد التصفية الجسدية على تقديم الدعم والمعلومات، هذا التغلغل اللوجستي يثبت أن التنظيم لا يزال ينظر إلى المنطقة الحدودية بين العراق وسوريا كـ "ولاية واحدة" تتجاوز الحدود الجغرافية، حيث يتم التنسيق المركز عبر ما يسمى "ديوان الجند" أو "الهيئة المفوضة"، التي تدير نقل الخبرات النوعية، مثل صناع العبوات والقناصين، لسد النقص في الخلايا المتواجدة داخل الأراضي العراقية.
التهديد النوعي والرد الأمني الاستباقي
يمثل المتسللون من سوريا تهديداً نوعياً يركز على "حرب الاستنزاف" بدلاً من المواجهة المباشرة، حيث تهدف تحركاتهم الحالية إلى زعزعة الاستقرار في المناطق المحررة عبر تنفيذ اغتيالات دقيقة تستهدف الشخصيات العشائرية المؤثرة وضباط الأمن ومخاتير القرى.
ويرى الدكتور الدليمي أن هذا التكتيك يهدف إلى ضرب الثقة بين المواطن والدولة وإعادة بث الرعب في النفوس لإعاقة عمليات الإعمار والاستثمار، وبناءً على نتائج هذه التحقيقات العميقة، أحدث العراق تغييراً جذرياً في استراتيجيته الأمنية، حيث انتقل من وضعية الدفاع إلى الهجوم الاستباقي، وقد تجسد ذلك في عمليات إنزال جوي نوعية في عمق الصحراء، مثل عملية "وثبة الأسود"، التي استندت بشكل مباشر إلى اعترافات المعتقلين والمعلومات الاستخباراتية المستقاة من رصد التواصل الرقمي المشفر عبر تطبيقات مثل تلغرام وفايبر.
وعلى المستوى الميداني، تسارع الدولة العراقية في تحصين الحدود مادياً عبر بناء الجدران الكونكريتية وحفر الخنادق ونصب الأبراج الذكية التي تغطي الثغرات السابقة، كما يتم تعزيز "مركز التنسيق الرباعي" مع سوريا وإيران وروسيا، والتعاون مع التحالف الدولي لرصد التحركات بالأقمار الصناعية.
ويختتم الدكتور الدليمي تحليله بالإشارة إلى أن ملف "مخيم الهول" يظل التحدي الأكبر، حيث تعتبره الأجهزة الأمنية العراقية "مركز إدارة خفي" يصدر التعليمات للخلايا في الخارج وإن النجاح في تأمين الحدود بنسبة كبيرة أجبر التنظيم على الانحسار العسكري، لكنه لا يزال يمتلك "مرونة استخباراتية" تتطلب يقظة مستمرة وتجفيفاً كاملاً لمنابع الدعم اللوجستي، لضمان عدم تحول هذه التسللات الفردية إلى تهديد جماعي يمس أمن الدولة والمجتمع.









