4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

من تواطؤ رمزي إلى انكشاف أخلاقي: تشومسكي في قلب فضيحة إبستين الأمريكية

أقرت فاليريا تشومسكي، زوجة عالم اللسانيات والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي، بوقوع ما وصفته بـ«خطأ جسيم» و«إهمال أخلاقي» في طبيعة العلاقة التي ربطتهما بالمجرم الأمريكي الراحل جيفري إبستين.

بقلم: أخبار ومتابعات
٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
11 مشاهدة
صورة غير مؤرخة لإبستين (يمين) وتشومسكي (أسوشيتد برس)

صورة غير مؤرخة لإبستين (يمين) وتشومسكي (أسوشيتد برس)

أقرت فاليريا تشومسكي، زوجة عالم اللسانيات والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي، بوقوع ما وصفته بـ«خطأ جسيم» و«إهمال أخلاقي» في طبيعة العلاقة التي ربطتهما بالمجرم الأمريكي الراحل جيفري إبستين، معتبرة أن كليهما تعرّضا للخداع وسوء التقدير. وجاء هذا الاعتراف في سياق تصاعد الجدل بعد تسريبات رسمية أمريكية أعادت فتح ملف العلاقات التي نسجها إبستين مع شخصيات أكاديمية وفكرية بارزة.

فاليريا شددت على أن الخطأ لم يكن جنائياً، بل أخلاقياً وسياسياً، نابعاً من الفشل في التدقيق بخلفية إبستين وسجله القضائي. وأكدت أن العلاقة قامت على صورة مضللة رسمها إبستين لنفسه باعتباره داعماً للعلم والبحث الأكاديمي، لا شخصية غارقة في فضائح الاستغلال الجنسي.

هذا الاعتراف المتأخر أعاد طرح أسئلة أوسع حول مسؤولية النخب الفكرية في التعامل مع أصحاب النفوذ المالي، وحدود السذاجة أو التواطؤ غير المباشر عندما يتعلق الأمر بشخصيات متهمة بانتهاكات جسيمة.

تشومسكي وإبستين: مراسلات تكشف التورط

الوثائق المسربة من وزارة العدل الأمريكية كشفت أن العلاقة بين نعوم تشومسكي وإبستين لم تكن عابرة أو سطحية، بل تضمنت مراسلات مباشرة تعود إلى عام 2019، في ذروة الفضيحة الأخلاقية التي كانت تطارد الملياردير الأمريكي. هذه المراسلات أظهرت أن تشومسكي قدم نصائح لإبستين حول كيفية التعامل مع الهجوم الإعلامي والرأي العام.

في رسالة موقعة باسم «نعوم»، أبدى تشومسكي تعاطفاً واضحاً مع إبستين، معتبراً أن الطريقة التي يُعامل بها في الصحافة «مروعة»، ونصحه بتجاهل الضغوط وعدم الرد العلني. هذه النصيحة، التي قُدمت في لحظة مفصلية، حملت دلالات سياسية وأخلاقية تتجاوز إطار المجاملة الشخصية.

الخطورة لا تكمن فقط في مضمون الرسائل، بل في توقيتها، إذ جاءت بعد أن كان إبستين قد أُدين سابقاً في قضايا انتهاكات جنسية، ما يضع تشومسكي في موقع من يتجاهل السياق الأخلاقي العام لحساب قراءة نخبوية ضيقة للصراع الإعلامي.

خطاب النخبة ضد الضحايا

من بين أكثر النقاط إثارة للجدل ما ورد في مراسلات تشومسكي من انتقاد لما سماه «الهستيريا» المحيطة بقضايا الانتهاكات ضد النساء. هذا الوصف عكس خطاباً شائعاً داخل بعض الدوائر النخبوية، يقوم على التقليل من شأن شهادات الضحايا واعتبارها نتاج حملات شعبوية أو إعلامية.

تشومسكي حذّر إبستين مما أسماه «هجوم النسور» الباحثة عن رد فعل علني، معتبراً أن كثيراً من منتقديه مدفوعون بالشهرة أو التطرف. هذا الخطاب، حتى لو قُدِّم في إطار شخصي، أعاد إنتاج منطق تبرير الصمت أمام الجرائم الأخلاقية بحجة مقاومة «ثقافة الإلغاء».

فاليريا حاولت لاحقاً تبرير هذه المواقف بالقول إن إبستين نجح في إقناع نعوم بأنه ضحية اضطهاد إعلامي، مؤكدة أن زوجها كان ولا يزال داعماً لحقوق المرأة. غير أن هذا التبرير لم ينجح في تبديد الانطباع بأن الخطاب المستخدم يعكس انفصالاً عن واقع الضحايا وسياق الجرائم.

إبستين كحصان طروادة

في بيان مطول، وصفت فاليريا إبستين بأنه «حصان طروادة» اخترق حياتهما الخاصة عبر بوابة العلم والعمل الخيري. وأكدت أن الملياردير الراحل قدّم نفسه باعتباره ممولاً للأبحاث وداعماً للأوساط الأكاديمية، ما فتح أمامه أبواب القرب من شخصيات فكرية وازنة.

البيان تضمن اعتذاراً صريحاً عن هذه العلاقة، مع الإقرار بأن الثقة التي مُنحت لإبستين كانت في غير محلها. فاليريا شددت على أن هذه التجربة كشفت كيف يمكن للمال أن يعيد تلميع السمعة، حتى لشخصيات متهمة بجرائم موثقة.

هذا الوصف يسلط الضوء على نمط أوسع استخدمه إبستين، يقوم على استثمار المكانة العلمية والأكاديمية للآخرين كأداة لتبييض صورته العامة، في واحدة من أكثر استراتيجيات النفوذ المالي خطورة وتعقيداً.

تفاصيل العلاقة والمال

بحسب فاليريا، تعرّف نعوم تشومسكي على جيفري إبستين عام 2015، في وقت لم يكن الزوجان، على حد قولها، على علم بإقراره بالذنب عام 2008 في قضية تتعلق بالاعتداء الجنسي على قاصر. هذا الادعاء ظل محل تشكيك، نظراً لكون القضية كانت معروفة إعلامياً داخل الولايات المتحدة.

اللقاءات بين الطرفين شملت زيارات لمنازل إبستين في نيويورك وباريس، إضافة إلى مزرعته في نيومكسيكو، مع تأكيد عدم العلم بما كان يجري في جزيرته الخاصة. هذه التفاصيل عززت صورة علاقة متشعبة، لا يمكن اختزالها في لقاءات عابرة أو صدفة أكاديمية.

أما على الصعيد المالي، فقد كشفت فاليريا أن إبستين ساعد تشومسكي في استرداد 270 ألف دولار من أموال تقاعده بعد أزمة مالية، معتبرة أن هذه الخطوة كانت جزءاً من مناورة مدروسة لتعزيز القرب واستثمار اسم تشومسكي علمياً. ورغم نفي وجود أي استثمارات مشتركة، فإن هذا الدعم المالي ألقى بظلال ثقيلة على طبيعة العلاقة وحدودها الأخلاقية.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال