20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سوريا تعود إلى طاولة التحالف الدولي: إعادة تموضع إقليمي وتفكيك عزلة ما بعد الأسد

تشكل مشاركة دمشق في اجتماع دول التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الرياض تطورًا سياسيًا يتجاوز البعد الأمني الظاهر، ليعكس تحوّلًا في موقع سوريا داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة.

بقلم: أخبار ومتابعات
٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
نائب وزير الخارجية السعودي (يمين) يستقبل وزير خارجية سوريا لدى وصوله إلى الرياض (واس)

نائب وزير الخارجية السعودي (يمين) يستقبل وزير خارجية سوريا لدى وصوله إلى الرياض (واس)

تشكل مشاركة دمشق في اجتماع دول التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في الرياض تطورًا سياسيًا يتجاوز البعد الأمني الظاهر، ليعكس تحوّلًا في موقع سوريا داخل الترتيبات الإقليمية الجديدة. وصول وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة إلى العاصمة السعودية، واستقبالهما رسميًا من نائب وزير الخارجية السعودي، يحمل دلالات سياسية تتعلق بإعادة الاعتراف التدريجي بالنظام الجديد في دمشق. هذه العودة لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع لإعادة إدماج سوريا في المنظومة الإقليمية بعد سنوات من القطيعة والعزلة.

اللافت أن المشاركة جاءت بعد انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي في نوفمبر الماضي، ما يضع دمشق للمرة الأولى في موقع “الشريك” بدل موقع “المسرح” للعمليات العسكرية التي كانت تُدار دون تنسيق معها. هذا التحول يعكس إدراكًا متبادلًا، أمريكيًا وإقليميًا، بأن تجاهل الدولة السورية لم يعد خيارًا عمليًا في إدارة ملف مكافحة تنظيم الدولة.

الرياض كمنصة

اختيار الرياض لاستضافة الاجتماع يحمل بحد ذاته رسالة جيوسياسية تتجاوز ملف “داعش”. فالسعودية باتت تلعب دور منصة إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، ووسيطًا سياسيًا بين الفاعلين المتنافرين، بما في ذلك دمشق وواشنطن. مشاركة الوفد السوري في العاصمة السعودية تشير إلى انتقال العلاقة من مرحلة التطبيع الحذر إلى مرحلة التنسيق السياسي المشروط.

بالنسبة لدمشق، فإن الظهور في الرياض، وليس في عاصمة غربية أو أممية، يمنح المشاركة غطاءً عربيًا يقلل من كلفتها الداخلية، ويُخرجها من صورة “الالتحاق المباشر” بالأجندة الأمريكية. أما بالنسبة للسعودية، فإن إدماج سوريا في هذا الإطار يعزز دورها كفاعل إقليمي قادر على إدارة ملفات الأمن والسياسة معًا، وليس مجرد طرف داعم أو متفرج.

واشنطن والشرع

لقاء الشيباني بالمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس برّاك، على هامش الاجتماع، يكشف أن واشنطن تنظر إلى الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع بوصفها فرصة لإعادة ضبط العلاقة، لا مجرد امتداد للمرحلة السابقة. انضمام سوريا كـ“الدولة رقم 90” في التحالف الدولي، وفق توصيف السفارة الأمريكية في دمشق، يعكس رغبة أمريكية في تحويل دمشق من عبء أمني إلى شريك وظيفي في مكافحة الإرهاب.

لكن هذا الانفتاح لا يخلو من الشروط والاختبارات. واشنطن، التي كثفت ضرباتها ضد تنظيم الدولة في البادية السورية عقب مقتل جنود أمريكيين قرب تدمر، تريد شريكًا قادرًا على ضبط الأرض ومنع عودة التنظيم، دون أن يعني ذلك بالضرورة رفعًا سريعًا للعقوبات أو اعترافًا سياسيًا كاملًا. من هنا، تبدو مشاركة دمشق في الاجتماع خطوة في مسار طويل من “التطبيع الأمني” قبل السياسي.

سوريا.. تحالف لا احتواء

إعلان الخارجية السورية التزامها بتكثيف العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة، والتأكيد على عدم السماح بوجود ملاذات آمنة له، يعكس محاولة واضحة لتقديم سوريا كدولة قادرة على لعب دور مركزي في الأمن الإقليمي. غير أن هذا الدور يُراد له أن يكون ضمن معادلة “الشراكة لا الاحتواء”، حيث تسعى دمشق إلى تثبيت سيادتها على قرارها العسكري، مقابل قبولها بالتنسيق مع التحالف الدولي.

الشيباني يلتقي برّاك في الرياض، 9 فبراير 2026 (الخارجية السورية-إكس)
الشيباني يلتقي برّاك في الرياض، 9 فبراير 2026 (الخارجية السورية-إكس)


 

تصريحات مسؤولي الخارجية السورية عن امتلاك “أدوات شاملة لتجفيف منابع التجنيد” تشير إلى خطاب جديد يركز على البعد المؤسسي للدولة، لا على منطق الفصائل أو الحرب المفتوحة. هذا التحول الخطابي يعكس سعي الحكومة الجديدة لتقديم نفسها كفاعل مسؤول، قادر على مخاطبة الغرب والعالم العربي بلغة مشتركة.

إعادة التموضع الإقليمي

لا يمكن قراءة مشاركة دمشق في اجتماع التحالف الدولي بالرياض كحدث تقني مرتبط بمحاربة تنظيم الدولة فقط. إنها جزء من مسار أوسع لإعادة التموضع الإقليمي، حيث تحاول سوريا الخروج من موقع الدولة المعزولة إلى موقع الدولة الوظيفية في توازنات الشرق الأوسط. هذا التموضع يتم على تقاطع مصالح واشنطن الأمنية، ورغبة الرياض في هندسة توازن عربي جديد، وسعي دمشق لاستعادة شرعيتها الإقليمية والدولية.

غير أن هذا المسار يبقى هشًا ومفتوحًا على احتمالات متعددة. فنجاحه مرهون بقدرة دمشق على ترجمة التزاماتها الأمنية إلى واقع ميداني، وبمدى استعداد الولايات المتحدة وحلفائها للانتقال من التنسيق الأمني إلى الانفتاح السياسي. حتى ذلك الحين، ستظل مشاركة دمشق في التحالف الدولي خطوة محسوبة في لعبة إعادة رسم الخرائط، لا نهاية لها.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال