4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

أربعة أشهر من الوهم: وقف إطلاق النار الذي حوّله الاحتلال إلى غطاء للقتل والحصار

بعد مرور أربعة أشهر كاملة على دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فيما يستمر حصار الاحتلال علي غزة، يتكشّف المشهد في قطاع غزة بوصفه واحدًا من أكثر النماذج فجاجة في تاريخ الصراعات الحديثة

بقلم: سماح عثمان
١٠ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
15 مشاهدة
أربعة أشهر من الوهم: وقف إطلاق النار الذي حوّله الاحتلال إلى غطاء للقتل والحصار

أربعة أشهر من الوهم: وقف إطلاق النار الذي حوّله الاحتلال إلى غطاء للقتل والحصار

بعد مرور أربعة أشهر كاملة على دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ فيما يستمر حصار الاحتلال علي غزة، يتكشّف المشهد في قطاع غزة بوصفه واحدًا من أكثر النماذج فجاجة في تاريخ الصراعات الحديثة، حيث استخدم الاحتلال الإسرائيلي الاتفاق الإنساني غطاءً لمواصلة القتل والتدمير والتجويع، في انتهاك ممنهج لا لبس فيه للقانون الدولي الإنساني، وللبروتوكول الإنساني الملحق بالاتفاق.

وبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي، فإن الفترة الممتدة من 10 أكتوبر 2025 وحتى الاثنين 9 فبراير 2026، أي على مدار 120 يومًا، شهدت تصعيدًا إسرائيليًا متواصلًا، حوّل وقف إطلاق النار من فرصة لحماية المدنيين إلى أداة ابتزاز جماعي، ووسيلة لإدامة الكارثة الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة منذ المجازر الواسعة التي ارتكبها الاحتلال بعد أكتوبر 2023، بدعم أمريكي مباشر سياسياً وعسكرياً.

انتهاكات موثّقة لـ الاحتلال

خلال هذه الفترة، رصدت الجهات الحكومية المختصة 1,620 خرقًا صريحًا لاتفاق وقف إطلاق النار، ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بصورة منهجية، بما يعكس نية مبيتة لتقويض الاتفاق لا مجرد خروقات عرضية.

وتنوّعت هذه الانتهاكات، وفق التقرير الرقمي، على نحو يكشف طبيعتها العسكرية المباشرة، حيث سُجّلت 560 جريمة إطلاق نار استهدفت مناطق مأهولة بالسكان، إلى جانب 79 عملية توغّل عسكري لآليات الاحتلال داخل الأحياء والمناطق السكنية، في خرق واضح لحدود الانسحاب المتفق عليها.

كما وثّق التقرير 749 جريمة قصف واستهداف مباشر، شملت منازل ومرافق مدنية، فضلًا عن 232 جريمة نسف لمبانٍ سكنية ومنشآت مختلفة، في سياسة عقاب جماعي تستهدف محو ما تبقى من البنية العمرانية للقطاع.

أرقام الشهداء

لم تكن هذه الخروقات أرقامًا جافة، بل ترجمت إلى دماء وأرواح أُزهقت في وقت كان يُفترض أن يسوده الهدوء. إذ أسفرت الانتهاكات عن 573 شهيدًا خلال فترة وقف إطلاق النار وحدها، وفق ما أكده المكتب الإعلامي الحكومي.

وتشير البيانات إلى أن 292 شهيدًا من بين الضحايا كانوا من الأطفال والنساء وكبار السن، بينما بلغ عدد الشهداء من الرجال 281 شهيدًا. اللافت، والذي ينسف الرواية الإسرائيلية حول “الاستهداف العسكري”، أن نسبة 99% من الشهداء هم من المدنيين، ما يفضح الطابع الإجرامي المتعمّد لهذه العمليات.

نزيف المصابين

إلى جانب الشهداء، خلّفت الخروقات الإسرائيلية 1,553 جريحًا، معظمهم من الفئات الأكثر هشاشة. فقد تجاوز عدد الجرحى من الأطفال والنساء وكبار السن 954 مصابًا، في حين بلغ عدد المصابين المدنيين 1,539 مصابًا، أي ما يزيد عن 99% من إجمالي الإصابات.

وبحسب التقرير، فإن جميع المصابين بلا استثناء تم استهدافهم بعيدًا عن الخط الأصفر، وداخل الأحياء السكنية، ما يؤكد أن الاستهداف لم يكن عشوائيًا، بل جرى في مناطق يُفترض أنها آمنة بموجب الاتفاق.

الاعتقالات القسرية

لم تتوقف انتهاكات الاحتلال عند القتل والإصابة، بل امتدت إلى الاعتقال والاختطاف، حيث سُجّل 50 معتقلًا خلال فترة وقف إطلاق النار.

وتوضح المعطيات أن جميع المعتقلين جرى اختطافهم من داخل الأحياء السكنية، وبعيدًا عن الخط الأصفر، في سلوك يعكس استباحة كاملة للمدنيين، واستخفافًا صريحًا بأي التزامات قانونية أو إنسانية.

معبر رفح الجزئي

فيما يخص معبر رفح البري، يكشف التقرير صورة أخرى من الالتفاف الإسرائيلي على الاتفاق. فمنذ الإعلان عن بدء تشغيل المعبر يوم الاثنين 2 فبراير 2026 وحتى 9 فبراير 2026، بلغ إجمالي عدد المسافرين 397 مسافرًا فقط.

وتوزّعت هذه الأعداد على 225 مسافرًا، و172 وافدًا، و26 مُرجعًا، من أصل 1,600 مسافر كان يُفترض سفرهم ذهابًا وإيابًا خلال الفترة نفسها، أي بنسبة لا تتجاوز 25%، ما يعكس تشغيلًا شكليًا وجزئيًا للمعبر، لا يلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية.

حصار المساعدات

أما على صعيد دخول المساعدات والوقود، فيشير التقرير إلى أن إجمالي ما دخل القطاع بلغ 31,178 شاحنة فقط، من أصل 72,000 شاحنة كان يُفترض دخولها، بنسبة التزام لا تتجاوز 43%.

وتوزّعت هذه الشاحنات على 17,945 شاحنة مساعدات، و12,402 شاحنة تجارية، و861 شاحنة وقود فقط، من أصل 6,000 شاحنة وقود كان يجب إدخالها، أي بنسبة التزام متدنية لا تتجاوز 14%، وبمتوسط يومي بلغ 260 شاحنة.

ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاتفاق ينص على دخول 600 شاحنة يوميًا من المساعدات والتجارة والوقود، إضافة إلى 50 شاحنة وقود يوميًا، وهو ما لم يلتزم به الاحتلال على الإطلاق.

بروتوكول مُفرغ

وفقًا لما ورد في البيان، فإن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بسلسلة من البنود الجوهرية في البروتوكول الإنساني، شملت عدم إدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، ورفض إدخال المعدات الثقيلة للدفاع المدني لرفع الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء.

كما امتنع عن إدخال المعدات والمستلزمات الطبية والأدوية، ولم يلتزم بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء، أو بتشغيل محطة توليد الكهرباء، فضلًا عن مواصلة التعدي على الخط الأصفر وقضم المزيد من الأراضي داخل القطاع.

مسؤولية دولية مؤجلة

يشدد المكتب الإعلامي الحكومي على أن استمرار هذه الخروقات يمثل التفافًا خطيرًا على اتفاق وقف إطلاق النار، ومحاولة مكشوفة لفرض معادلة إنسانية قائمة على الإخضاع والتجويع والابتزاز، في سياق حرب مستمرة ضد المدنيين منذ أكتوبر 2023.

ويحمّل البيان الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن التدهور الإنساني، وعن الأرواح التي أُزهقت والممتلكات التي دُمّرت، مطالبًا الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والجهات الراعية والوسطاء والضامنين، إضافة إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بتحمّل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، وإلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته كاملة، وضمان حماية المدنيين، والتدفق الفوري والآمن للمساعدات والوقود، بما يضع حدًا لكارثة إنسانية تتعمّق يومًا بعد يوم في قطاع غزة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال