تتواصل خروقات وقف إطلاق النار في قطاع غزة وسط واقع إنساني منهك، حيث تشير تقارير ميدانية إلى استمرار الاستهدافات المحدودة وإطلاق النار المتقطع في مناطق مختلفة من قطاع غزة، لا سيما في المناطق الحدودية والمناطق الشرقية. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام فلسطينية، فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي نفّذت عمليات توغل محدودة وإطلاق نار تجاه منازل ومزارعين، في انتهاك واضح لبنود التهدئة التي يفترض أن تضمن وقفًا شاملًا للعمليات العسكرية.
في المقابل، تؤكد مصادر محلية أن هذه الخروقات لا يمكن فصلها عن السياق العام للضغط العسكري والسياسي الذي تمارسه حكومة الاحتلال، خاصة في ظل التوتر المتصاعد حول مستقبل الاتفاق. فاستمرار هذه الانتهاكات، حتى وإن وُصفت بأنها “محدودة”، يعكس هشاشة الهدنة، ويُبقي القطاع تحت تهديد دائم بالانفجار مجددًا، في وقت لم يتعافَ فيه السكان بعد من آثار المجازر الواسعة التي ارتُكبت منذ أكتوبر 2023.
غزة وتجميد المرحلة الثانية
في هذا المناخ المتوتر، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار “متوقفة حاليًا”، مشيرًا إلى أن تنفيذها مرهون بما وصفه بـ”الالتزام الكامل بالشروط الأمنية الإسرائيلية”. هذا التصريح يعكس عمليًا تعليق المسار السياسي الذي كان يُفترض أن ينتقل من تثبيت الهدنة إلى خطوات أوسع تشمل ترتيبات إنسانية وأمنية طويلة الأمد.
ويأتي هذا الإعلان في وقت كانت فيه الوساطات الإقليمية والدولية تسعى لدفع الأطراف نحو استكمال بنود الاتفاق، خاصة ما يتعلق بملفات تبادل الأسرى وإعادة الإعمار. إلا أن موقف نتنياهو يُظهر أن حكومته تستخدم المرحلة الثانية كورقة ضغط، سواء لتحسين شروطها التفاوضية أو لامتصاص الضغوط الداخلية المتزايدة من تيارات اليمين المتطرف التي ترفض أي مسار قد يُفهم على أنه “تنازل” للفلسطينيين.
التلويح بالتصعيد
الأخطر في تصريحات نتنياهو لم يكن فقط إعلان تعليق المرحلة الثانية، بل إشارته الصريحة إلى احتمال العودة إلى عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة. هذا التلويح يعيد إلى الأذهان مشاهد الدمار الشامل التي شهدها قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حين شنّ الاحتلال حربًا مدمّرة خلفت عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح، معظمهم من المدنيين، وفقًا لوزارة الصحة في غزة.
العودة إلى العمل العسكري، إن حدثت، لن تكون مجرد جولة عابرة، بل ستعني استئناف سياسة الأرض المحروقة التي اتبعتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، والتي شملت قصفًا مكثفًا للأحياء السكنية واستهدافًا للبنية التحتية الحيوية، بما فيها المستشفيات والمدارس. كما أن مثل هذا التصعيد سيضع المنطقة بأكملها أمام احتمالات انفجار أوسع، خاصة في ظل التوترات القائمة على جبهات أخرى.
حسابات داخلية
لا يمكن قراءة موقف نتنياهو بمعزل عن أزماته السياسية الداخلية. فالرجل الذي يواجه انتقادات حادة من عائلات الأسرى الإسرائيليين، ومن خصومه السياسيين، يجد نفسه بين ضغوط متناقضة: من جهة، مطالب بإتمام صفقات تبادل وضمان عودة الأسرى، ومن جهة أخرى، محاصر بائتلاف يميني متشدد يرفض إنهاء الحرب دون تحقيق “نصر كامل”، وهو مصطلح ظل فضفاضًا وغير محدد.
في هذا السياق، قد يكون تعليق المرحلة الثانية جزءًا من مناورة سياسية تهدف إلى كسب الوقت، أو إعادة ترتيب أوراق التفاوض، أو حتى توحيد صفوف اليمين خلف خطاب أمني تصعيدي. غير أن هذه الحسابات الداخلية تُدار على حساب المدنيين في غزة، الذين يدفعون ثمن كل قرار عسكري أو سياسي يُتخذ في تل أبيب.
الدور الأمريكي
الموقف الأمريكي يظل عنصرًا حاسمًا في تحديد مسار الأحداث. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لعبت أمريكا دورًا مباشرًا في دعم العمليات العسكرية الإسرائيلية سياسيًا وعسكريًا، سواء عبر الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية أو من خلال تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر. وفي الوقت نفسه، شاركت واشنطن في جهود الوساطة للوصول إلى اتفاقات تهدئة مؤقتة.
هذا التناقض بين الدعم العسكري والوساطة السياسية يطرح تساؤلات حول مدى جدية الضغوط الأمريكية على حكومة نتنياهو لاستكمال مراحل الاتفاق. فبينما تعلن الإدارة الأمريكية دعمها لخفض التصعيد، تواصل توفير الغطاء السياسي والعسكري الذي يمكّن الاحتلال من التلويح بالعودة إلى الحرب في أي لحظة، ما يجعل استدامة أي هدنة رهينة بحسابات تتجاوز حدود غزة.
هدنة على حافة الانهيار
في ظل استمرار الخروقات، وتجميد المرحلة الثانية، والتلويح العلني باستئناف العمليات العسكرية، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى وقف هش لإطلاق النار منه إلى مسار حقيقي نحو إنهاء العدوان. فغياب الثقة، واستمرار الحصار، وتأخر إعادة الإعمار، كلها عوامل تُبقي القطاع في حالة احتقان دائم.










