قال الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية أن قضية جيفري إبستين تحولت من مجرد قضية جنائية إلى ساحة للصراع السياسي في الولايات المتحدة، مع ظهور تساؤلات حول توقيت إعادة القضية إلى الواجهة والغرض من نشر الوثائق المتعلقة بها. هذا التحول يعكس استخدام القضية كأداة ضغط سياسي في خضم التوترات الداخلية والخارجية التي يعيشها النظام الأمريكي.
ويكشف تركي في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، يعود السبب المباشر لإعادة فتح ملف القضية إلى قانون الشفافية الذي أقر في أواخر عام 2025، بدعم واسع من الحزبين الرئيسيين في الكونغرس. بموجب هذا القانون، أُلزمت وزارة العدل بالإفراج عن كافة الملفات غير السرية المتعلقة بالقضية، مما أدى إلى تسريب الوثائق في بداية عام 2026. إن هذا الإجراء يعد بمثابة خطوة ضمن استراتيجية سياسية، تتيح للأطراف المعنية استخدامها في معركة الهيمنة على الرأي العام الأمريكي.
وثائق إبستين كأداة ضغط سياسي
ويؤكد أستاذ العلوم السياسية، أن إدارة الرئيس ترامب تستفيد من هذه الوثائق بشكل واضح كأداة في مواجهة خصومها السياسيين، خاصة الديمقراطيين الذين يُعتقد أن لهم صلات مع إبستين. لا يقتصر الهدف على كشف الحقيقة فحسب، بل يتعداه إلى إحراج النخب السياسية الديمقراطية وإظهار ارتباطهم بالقضية، بما يعزز سردية ترامب ضد "الدولة العميقة". هذا السرد هو الذي ألقى بظلاله على خسارته في انتخابات 2020، ويأمل أن يعيده إلى صدارة المشهد السياسي في المستقبل.
تصاعد الانقسامات السياسية
على الرغم من وجود نظريات مؤامرة تتعلق بانتحار إبستين، إلا أن الكشف عن الوثائق يبرز الانقسام العميق داخل الولايات المتحدة، ويؤكد أزمة الثقة في المؤسسات الرسمية. كما يعكس الصراع المستمر بين نفوذ "الدولة العميقة" ورغبة ترامب في التأثير على مجريات الأمور، مما يعزز من حالة الشكوك حول نوايا وأفعال المؤسسات الأمريكية.
ويقول، إلى جانب هذا، تكشف قضية إبستين عن شبكة واسعة من النفوذ السياسي الدولي، تتضمن رجال أعمال، سياسيين، وأجهزة استخبارات، ما يجعلها قضية أكبر من مجرد فرد أو مجموعة محدودة. التوقيت الذي تم فيه تسريب الوثائق يبدو مدروسًا بعناية، فهو يتزامن مع توترات اقتصادية وحروب مشتعلة، مما يعزز الفكرة بأن هذا التسريب قد يوجه الرأي العام بعيدًا عن القضايا الجوهرية مثل الأزمات الاقتصادية وحركات الأساطيل.
ترامب في قلب القضية: تصعيد أم تكتيك؟
ويشير تركي عبر رؤيته التحليلية، أن ترامب، الذي يذكر دائمًا ارتباط اسمه بقضية إبستين في سياق اجتماعي عام دون توجيه اتهامات جنائية مباشرة، يحاول استغلال هذا الزخم لصالحه. هو لا يمانع في أن تكون الوثائق بمثابة فرصة للتشويش على خصومه من الديمقراطيين. وفي سياق هذه الاستراتيجية، يراهن على أن الوثائق تحتوي على معلومات خطيرة قد تهدد خصومه أكثر من تهديدها له شخصيًا.
وبينما يُتوقع أن تستمر الوثائق في لعب دور السيف المعلق فوق رأس ترامب، قرر أن يكون هو من يكشف عنها بنفسه، من خلال إشراف وزارة العدل، ليضبط إيقاع النشر ويُحدد الطريقة التي يتم بها تفسير النتائج.
جيلين ماكسويل: العفو مقابل الشهادات
ويستطرد تركي حديثه، في تطور لافت، رفضت جيلين ماكسويل، شريكة إبستين في شبكة الاتجار بالقاصرات، التعاون مع الكونغرس في جلسة تحقيق بتاريخ 9 فبراير 2026. وفي خطوة مفاجئة، طلبت ماكسويل عفوًا رئاسيًا من ترامب مقابل الإدلاء بكل ما تعرفه عن القضية. وكشفت أن كلاً من بيل كلينتون وترامب بريئان من أي اتهامات تتعلق بالشبكة، وهو ما يُعد مناورة قانونية هدفها تبرئة كبار الشخصيات السياسية مقابل الحصول على عفو رئاسي.
رفضها التعاون مع الكونغرس يعكس قلقًا من فتح صندوق أسرار قد يتسبب في سقوط أسماء كبيرة، وتفضيلها إبرام صفقة مع ترامب قد تفضي إلى تبرئة أسمائهما مقابل تنازلات أخرى. هذه المناورة القانونية تجعل القضايا المتعلقة بالصفقات السياسية جزءًا لا يتجزأ من الصراع المتأجج داخل الولايات المتحدة.
التأثير على صورة إسرائيل
لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه قضية إبستين في التأثير على صورة إسرائيل في الغرب، خاصة مع ارتباط شخصيات إسرائيلية بارزة بشبكة إبستين. هذا التورط يضعف السردية الإسرائيلية التي تدعي تفوقها القيمي وحرصها على حقوق الإنسان، مما يعرّض هذه الرواية للتشكيك. كما أن الحرب على غزة التي استمرت لمدة عامين ضاعفت من هذا التأثير، حيث أصبح من الصعب على الغرب أن يتجاهل التورط الإسرائيلي في هذه الانتهاكات الأخلاقية في وقت تتسرب فيه الوثائق المتعلقة بإبستين، مما يؤدي إلى تآكل سمعة إسرائيل في الساحة الدولية.










