21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أزمة الرئاسة العراقية.. كيف تحول "العرف التوافقي" الكردي إلى ورقة مساومات سياسية؟

تدخل العملية السياسية في العراق منعطفاً حاسماً مع انطلاق الاجتماع الكردي–الكردي المرتقب لحسم ملف مرشح رئاسة الجمهورية، وهو الملف الذي بات يمثل "بيضة القبان" في استقرار النظام السياسي برمته.  إن هذا

بقلم: محمد خميس
١١ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
مقر رئاسة الوزراء في العراق

مقر رئاسة الوزراء في العراق

تدخل العملية السياسية في العراق منعطفاً حاسماً مع انطلاق الاجتماع الكردي–الكردي المرتقب لحسم ملف مرشح رئاسة الجمهورية، وهو الملف الذي بات يمثل "بيضة القبان" في استقرار النظام السياسي برمته. 

إن هذا الاجتماع لا يُعد مجرد إجراء بروتوكولي لاختيار شخصية لشغل منصب سيادي، بل هو محاولة لترميم "البيت الكردي" الذي تعرض لتصدعات عميقة أثرت بشكل مباشر على إيقاع العمل الدستوري في بغداد. 

ومنذ عام 2003، جرى العرف السياسي على أن يكون منصب الرئيس من حصة المكون الكردي بناءً على توافق داخلي يسبق الذهاب إلى البرلمان الاتحادي، إلا أن الانقسام الراهن بين القطبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) جعل من هذا المنصب ساحة مفتوحة لتجاذب النفوذ، مما أدى إلى تعطيل الاستحقاقات الدستورية التي تلي انتخاب الرئيس، وعلى رأسها تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة.

 

انعكاسات الانقسام الكردي على هيكلية النظام الاتحادي

يؤكد المراقبون أن غياب الموقف الكردي الموحد تجاه منصب الرئاسة يتجاوز كونه خلافاً حزبياً ضيقاً، ليصل إلى تهديد جوهر "التوازن المكوناتي" الذي قام عليه العراق الجديد فعندما يذهب الكرد بمرشحين متنافسين إلى قبة البرلمان في بغداد، يفتحون الباب أمام الكتل الشيعية والسنية للتدخل في اختيار ممثل المكون الكردي، وهو ما يضعف "الثقل الاستراتيجي" للإقليم ويجعل من أصوات نوابه عرضة للمساومات السياسية العابرة للمكونات. 

إن هذا التشتت يفرغ مبدأ التوافق من محتواه، حيث يتحول منصب رئيس الجمهورية من "صمام أمان" للدستور إلى "نقطة اشتباك" تزيد من حدة الاستقطاب البرلماني، وتخلق حالة من الضبابية القانونية حول المهل الزمنية التي ينص عليها الدستور العراقي، مما يضع استقرار النظام السياسي على المحك أمام جمهور يترقب خدمات وحلولاً اقتصادية معطلة بانتظار الحسم السياسي.

دلالات الاجتماع الكردي.. محاولة الاحتواء وتفادي "سيناريو بغداد"

يأتي الاجتماع الكردي الأخير في توقيت يشعر فيه الطرفان بضغط متزايد من القوى السياسية في بغداد، والتي بدأت تلوح بإمكانية المضي في تشكيل الحكومة بعيداً عن انتظار التوافق الكردي المطلق.

 إن دلالات هذا التوقيت تشير إلى إدراك عميق داخل السليمانية وأربيل بأن استمرار الانقسام سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف موقف الإقليم في ملفات حيوية ومصيرية، مثل قانون النفط والغاز، حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، وملف المناطق المتنازع عليها لذا، يبدو الاجتماع كمحاولة أخيرة لتقديم "خيار وطني كردي" يحفظ هيبة المكون ويمنع تفتت كتلتهم النيابية في العاصمة.

 فالتوافق على مرشح واحد يعني العودة إلى طاولة المفاوضات في بغداد من موقع القوة، والقدرة على فرض شروط تضمن حقوق الإقليم الدستورية والمالية في موازنة 2026، بعيداً عن سياسة "الصفقات الجزئية" التي قد تبرمها أطراف معينة على حساب الوحدة الكردية الشاملة.

سيناريوهات حسم الرئاسة.. بين التوافق الصعب وكسر العظم

تتراوح التوقعات بشأن مخرجات الاجتماع الكردي بين سيناريوهين أحلاهما مر؛ الأول هو الوصول إلى "تسوية تاريخية" تقضي بمنح منصب الرئاسة لطرف مقابل امتيازات إدارية أو مالية في الإقليم للطرف الآخر، وهو ما سيعيد الهدوء للعملية السياسية في بغداد ويسرع من عملية تكليف رئيس الوزراء.

 أما السيناريو الثاني، فهو فشل الاجتماع والإصرار على خيار "كسر العظم" البرلماني، حيث يتوجه كل حزب بمرشحه الخاص لتكون الكلمة الفصل لنواب البرلمان الاتحادي. هذا المسار الأخير يمثل خطراً حقيقياً على استقرار الإقليم داخلياً، إذ قد يؤدي إلى تصعيد الخطاب الإعلامي والسياسي بين الحزبين، ويضعف قدرة أربيل على المناورة أمام التحديات الخارجية والداخلية، كما أنه يرسخ فكرة أن "القرار الكردي" لم يعد يُصنع في كُردستان، بل بات يُرتهن للتحالفات السياسية في بغداد.

مستقبل الشراكة الوطنية في ظل التجاذبات الكردية

يظل منصب رئيس الجمهورية العراقية هو الاختبار الأكبر لمدى نضج التجربة الديمقراطية في إقليم كردستان وقدرتها على التكيف مع التزاماتها الاتحادية. إن فاعلية النظام السياسي العراقي تعتمد بشكل عضوي على تماسك مكوناته، وأي شرخ في جدار البيت الكردي يمتد أثره بالضرورة إلى كامل البناء الوطني. إن نجاح الاجتماع الكردي في إنتاج مرشح توافقي لن يكون مجرد انتصار للحزبين، بل هو انتصار للاستقرار السياسي في العراق، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن العراق قادر على تجاوز أزماته الدستورية عبر الحوار. 

وفي المقابل، فإن الإخفاق في هذا الملف سيفتح الباب لمرحلة من الفوضى السياسية التي قد تعيد رسم التحالفات على أسس غير مسبوقة، مما يجعل من عام 2026 عاماً فاصلاً في تاريخ العلاقة بين المركز والإقليم، وفي مستقبل التوازن السياسي الذي يحكم بلاد الرافدين.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

أزمة الرئاسة العراقية.. كيف تحول "العرف التوافقي" الكردي إلى ورقة مساومات سياسية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°