شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اليوم الأربعاء، حدثاً دبلوماسياً بارزاً تكلل بانتخاب جمهورية الصومال الفيدرالية عضواً في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة الممتدة ما بين 2026 و2028.
ويعد هذا الانتخاب بمثابة شهادة استحقاق دولية وقارية تعكس بوضوح حجم الجهود الحثيثة التي بذلتها الدولة الصومالية في السنوات الأخيرة لاستعادة دورها المحوري في المحافل السياسية.
إن انضمام الصومال إلى هذا المجلس الحيوي لا يمثل مجرد مقعد سياسي، بل هو إعلان رسمي عن تعافي الدولة وعودتها إلى موقعها الطبيعي كلاعب أساسي في صياغة الاستراتيجيات الأمنية والسياسية للقارة السمراء، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الأمني والاقتصادي ويجعل من صوت مقديشو مسموعاً في دوائر صنع القرار الأفريقي المعقدة.
دلالات الثقة الأفريقية في الدولة الصومالية
أوردت وكالة أنباء الصومال الرسمية تفاصيل هذا الإنجاز، مشيرة إلى أن انتخاب الصومال لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة ثقة مطلقة ودعم واسع من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي لملف الترشح الصومالي.
هذا الدعم القاري الواسع يبرهن على أن المجتمع الأفريقي بات ينظر إلى الصومال كنموذج للدولة التي نجحت في تجاوز تحدياتها الداخلية وبدأت في تقديم قيمة مضافة للأمن الجماعي إن اختيار الصومال لهذه المهمة الحساسة في هذا التوقيت بالذات، يعكس إدراك القادة الأفارقة لأهمية الدور الصومالي في مكافحة الإرهاب العابر للحدود، وتأمين الممرات المائية الحيوية، والمساهمة في حل النزاعات الإقليمية، مما يجعل وجودها داخل مجلس السلم والأمن ضرورة استراتيجية لتحقيق التوازن في منطقة القرن الأفريقي والقارة بشكل عام.
رؤية الخارجية الصومالية لمستقبل القارة
في بيان مفعم بالتفاؤل والاعتزاز، أعربت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الصومالية عن امتنانها العميق وشكرها لجميع الدول الصديقة والشقيقة التي وقفت إلى جانب البلاد وصوتت لصالحه في هذه الانتخابات المفصلية.
وأكدت الوزارة في بيانها أن هذا النجاح الدبلوماسي يؤكد على قوة التعاون الإقليمي والرؤية المشتركة التي تتبناها مقديشو نحو بناء "أفريقيا أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً".
وأوضحت الخارجية أن الصومال سيستغل عضويته في المجلس لتعزيز قيم السلام المستدام، ونقل تجربته في بناء المؤسسات الأمنية، والمطالبة بتمويل أكبر لعمليات السلام الأفريقية، مع التركيز على مبدأ "الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية"، وهو ما يتماشى مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 الهادفة إلى خلق قارة متكاملة ومسالمة تحت قيادة مواطنيها.
مهام ومسؤوليات الصومال في مجلس السلم والأمن
تضع العضوية الجديدة على عاتق الدولة الصومالية مسؤوليات جسيمة، حيث يعد مجلس السلم والأمن الجهاز التنفيذي الدائم للاتحاد الأفريقي المسؤول عن منع النزاعات وإدارتها وتسويتها وسيكون للصومال خلال السنتين القادمتين صوت مؤثر في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بإرسال بعثات حفظ السلام، وفرض العقوبات على الحكومات غير الدستورية، وتنسيق الجهود القارية لمواجهة التهديدات الأمنية الحديثة مثل التغير المناخي وأثره على النزاعات، والأمن السيبراني.
إن وجود الصومال في قلب هذه المداولات سيمكنه من حماية مصالحه الوطنية بشكل أفضل، وضمان أن تكون قضايا المنطقة في مقدمة أولويات الأجندة الأفريقية، مما يعزز من قدرة الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية بفضل حالة الاستقرار السياسي والدبلوماسي التي أفرزتها هذه العضوية.
انعكاسات العضوية على الاستقرار الداخلي والإقليمي
لا تتوقف أهمية هذا الانتخاب عند الحدود الدبلوماسية الخارجية، بل تمتد لتشمل الداخل الصومالي والمحيط الإقليمي في شرق أفريقيا. فمن الناحية الداخلية، يمنح هذا الإنجاز دفعة معنوية كبيرة لمؤسسات الدولة وللشعب الصومالي، مؤكداً أن مسار الإصلاحات السياسية والأمنية يؤتي ثمره دولياً.
أما إقليمياً، فإن الصومال بصفته عضواً في مجلس السلم والأمن، سيساهم في خلق حالة من التوازن مع القوى الإقليمية الأخرى، مما قد يقلل من حدة التوترات السياسية في منطقة القرن الأفريقي وإن قدرة الصومال على التأثير في قرارات الاتحاد الأفريقي ستجعله وسيطاً مقبولاً في النزاعات الحدودية وقضايا المياه والموارد، وهو ما يخدم في نهاية المطاف هدف الدولة في تحقيق تنمية مستدامة تعتمد على بيئة أمنية محكمة وشراكات دولية متينة.
الصومال يكتب فصلاً جديداً من السيادة
يمكن القول إن انتخاب الصومال لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026–2028 هو انتصار للإرادة الصومالية في العودة إلى صدارة المشهد.
هذا الفصل الجديد في تاريخ البلاد يؤكد أن الصومال لم يعد عبئاً أمنياً على المنطقة، بل أصبح شريكاً في صناعة الأمن ومصدراً للأفكار والمبادرات البناءة وإن التحدي القادم يكمن في ترجمة هذه العضوية إلى مكاسب ملموسة تساهم في تثبيت دعائم السلام في القارة بأسرها، وتؤكد أن "الأسد الصومالي" قد استعاد عافيته الدبلوماسية بالكامل، مستعداً للمساهمة بفاعلية في رسم معالم مستقبل أفريقيا التي تطمح إليها الشعوب، بعيداً عن صراعات الماضي وبانفتاح كامل على فرص العصر الحديث.










