ثمة لحظات في التاريخ لا تأتي فيها التحولات الكبرى على ظهر الجيوش وإنما تأتي في صيغة وثائق قانونية تبدو للوهلة الأولى إدارية ومحايدة ثم يتبين أنها تحمل في طياتها انقلابا كاملا على فكرة السيادة والحق العام. وما نشرته صحيفة "The Guardian" عن مسودة قرار لما يسمى مجلس السلام المكلف بإدارة غزة يدخل في هذا الباب المثير للقلق.
فالمسودة كما أوردتها الصحيفة تقترح منح المجلس وأعضائه وإدارته والتكنوقراط العاملين معه والقوات الدولية والمقاولين الأجانب حصانة قانونية شاملة ضد أي ملاحقة قضائية داخل قطاع غزة. كما تمنح المجلس سلطة الاستحواذ على الممتلكات العامة دون أي مقابل مادي. وهذه ليست مجرد ترتيبات إدارية بل هي محاولة لإقامة سلطة استثنائية فوق القانون وخارج نطاق المساءلة.
في الفقه السياسي تعرف هذه الظاهرة باسم الاستثناء السيادي أي أن تنشأ سلطة تستطيع أن تمارس صلاحياتها من دون أن تخضع للقواعد التي يخضع لها الآخرون وحين تمنح هيئة انتقالية نفسها حصانة مطلقة فإنها لا تؤسس إدارة مؤقتة وإنما تؤسس امتيازا سياسيا وقانونيا يقترب من فكرة الوصاية الدولية.
إن جوهر الدولة الحديثة يقوم على مبدأ بسيط وهو أن لا أحد فوق القانون. فالحصانة ليست إعفاء من المسؤولية وإنما حماية وظيفية محدودة ومقيدة، أما الحصانة المطلقة فإنها تخلق طبقة سياسية وقانونية محصنة ضد الرقابة والمحاسبة وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لدولة القانون.
أما المسألة الأخطر فهي منح المجلس حق الاستحواذ على الممتلكات العامة دون مقابل فالأملاك العامة ليست أصولا مهجورة تنتظر من يديرها بل هي ملك جماعي للشعب الفلسطيني وتمثل أحد أهم عناصر سيادته الاقتصادية، والاستيلاء عليها دون تعويض أو تفويض وطني يقترب من مفهوم نزع الملكية السياسية.
لقد عرف التاريخ الحديث أن السيطرة على الأرض والممتلكات العامة هي الخطوة الأولى لإعادة تشكيل الواقع السياسي لأي مجتمع ومن يملك الأصول يملك القدرة على توجيه الاقتصاد وإعادة توزيع النفوذ ورسم الخريطة الاجتماعية الجديدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو من منح هذه الهيئة حق التصرف بمقدرات غزة. ومن الذي يملك شرعية نقل الأصول العامة أو إعادة إدارتها بعيدا عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية إن أي سلطة لا تستند إلى تفويض شعبي أو شرعية وطنية تتحول مهما كانت شعاراتها إلى سلطة أمر واقع.
وليس من قبيل المصادفة أن تأتي هذه الأفكار في لحظة تعيش فيها غزة إحدى أكثر مراحلها هشاشة وإنهاكا. فالمجتمعات المنكوبة تصبح في أحيان كثيرة بيئة ملائمة لفرض ترتيبات استثنائية تحت عنوان إعادة الإعمار أو إدارة ما بعد الحرب لكن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مرادفا لإعادة توزيع السيادة.
إن أخطر ما تكشفه هذه المسودة ليس بنودها القانونية فقط بل الفلسفة التي تقف وراءها فهي تنطلق من تصور ضمني يعتبر غزة إقليما فاقدا للأهلية السياسية يحتاج إلى إدارة فوقية محصنة ضد الرقابة الشعبية والقضائية.
وهذا المنطق يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية قامت فيها سلطات انتقالية بإدارة الأقاليم المنكوبة ثم تحولت تدريجيا إلى أنظمة وصاية طويلة الأمد.
إن الشعوب يمكن أن تقبل بالمساعدة الدولية ويمكن أن ترحب بجهود إعادة البناء لكنها لا تقبل أن تتحول المساعدة إلى انتقاص من السيادة أو أن تصبح إعادة الإعمار جسرا لإقامة سلطة فوق القانون.
ولهذا فإن ما كشفته صحيفة الجارديان لا ينبغي النظر إليه بوصفه تفصيلا إداريا عابرا. إنه نقاش يتعلق بمستقبل غزة نفسها هل ستكون غزة أرضا يديرها أهلها وفق القانون أم إقليما استثنائيا تحكمه حصانات ومصادرات وأوامر لا تخضع للمساءلة.
وفي السياسة كما في القانون، فإن أخطر أشكال المصادرة ليست مصادرة الأرض وحدها بل مصادرة حق الشعب في أن يكون صاحب القرار في أرضه ومستقبله.










