جاءت زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى أنقرة ولقاؤه بالرئيس رجب طيب أردوغان في إطار المجلس الأعلى للتعاون، لكن التوقعات سبقتها بقدر واضح من التحفظ. أثينا أعلنت صراحة قبل اللقاء أن لديها “مشكلة واحدة فقط” مع تركيا، تتمثل في ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، رافضة إدراج ملفات السيادة أو ما تصفه بالخطوط الحمراء ضمن أي تفاوض.
هذا التحديد اليوناني لسقف الخلاف يعكس محاولة لحصر النزاع في بعد قانوني–تقني، وتجنب فتح ملفات أوسع تتعلق بنزع السلاح عن الجزر أو صلاحيات البحث والإنقاذ في بحر إيجه. في المقابل، ترى أنقرة أن مقاربة “الملف الواحد” تتجاهل تعقيدات تراكمت عبر عقود، وأن القضايا مترابطة ضمن معادلة أمنية وسيادية أشمل.
اللقاء إذن لم يكن منصة لحل جذري، بل مساحة لإدارة تباين بنيوي في تعريف طبيعة النزاع نفسه. وبين من يريد تقليص جدول الأعمال ومن يرفض تجزئته، تتضح حدود التقدم الممكن في المدى القريب.
مجلس التعاون واختبار الإرادة
انعقاد الدورة السادسة للمجلس الأعلى للتعاون بعد سنوات من التوتر يعكس إدراكًا متبادلًا بأن القطيعة الكاملة مكلفة للطرفين. ورغم استمرار الخلافات، فإن الإصرار على إبقاء القنوات السياسية مفتوحة يشير إلى رغبة في منع الانزلاق إلى أزمات مفاجئة في بحر إيجه أو شرق المتوسط.
المباحثات شملت إلى جانب القضايا السياسية ملفات التجارة والسياحة والاقتصاد، مع هدف معلن برفع حجم التبادل التجاري إلى عشرة مليارات دولار. هذا البعد الاقتصادي يشكل رافعة موازية لمسار الخلافات، إذ يسعى الطرفان إلى خلق شبكة مصالح تحدّ من احتمالات الانفجار.
غير أن التجارب السابقة تظهر أن المسارات الاقتصادية لا تكفي وحدها لتحييد الأزمات السيادية. فكلما تصاعد التوتر حول الملاحة أو التنقيب، تتراجع أولوية “الأجندة الإيجابية” أمام اعتبارات الردع والسيادة.
12 ميلاً وحدود الاشتباك
ملف توسيع المياه الإقليمية إلى 12 ميلاً بحريًا يبقى أحد أكثر القضايا حساسية في الحسابات التركية. أنقرة تعتبر أي خطوة يونانية أحادية في هذا الاتجاه تغييرًا جذريًا في التوازن البحري، فيما تتمسك أثينا بحقها القانوني وفق اتفاقية قانون البحار.
كما أن الجدل حول صلاحيات البحث والإنقاذ وإعلانات الملاحة العسكرية يعيد تكرار مشاهد التوتر الموسمي في بحر إيجه. الحادثة المأساوية قبالة سواحل إحدى الجزر، وما تبعها من تبادل اتهامات بشأن مناطق المسؤولية، أعادت إبراز هشاشة التفاهمات التقنية.
هنا يتقاطع القانون الدولي مع الحسابات الجيوسياسية، حيث ترى كل عاصمة أن أي تنازل إجرائي قد يتحول إلى سابقة تُبنى عليها مطالب أوسع. لذلك يبقى الحوار أقرب إلى إدارة خلاف منه إلى تسويته.
شرق المتوسط وتحالفات متقاطعة
زيارة ميتسوتاكيس جاءت أيضًا في ظل مشهد إقليمي معقد يتداخل فيه ملف الطاقة مع خرائط التحالفات. التعاون المتنامي بين اليونان وقبرص وإسرائيل يُنظر إليه في تركيا بوصفه محاولة لتطويق دورها في شرق المتوسط، بينما تصفه أثينا بأنه شراكة طبيعية قائمة على المصالح المشتركة.
في المقابل، تسعى أنقرة إلى إعادة تموضعها الإقليمي عبر مسارات تطبيع متعددة، بما يقلل من فعالية أي ترتيبات إقصائية. هذا التداخل بين الملفات البحرية وتحالفات الطاقة يجعل أي حوار ثنائي محكومًا بسياق إقليمي أوسع يتجاوز بحر إيجه.
كما أن التحولات في السياسة الأمريكية، خاصة مع عودة دونالد ترامب، تضيف عنصرًا من عدم اليقين، ما يدفع أنقرة وأثينا إلى تفضيل إدارة خلافاتهما مباشرة دون وساطات خارجية ثقيلة.
حوار بلا اختراق
التقديرات في العاصمتين تشير إلى أن فرص تحقيق اختراق نوعي في المدى القريب تبقى محدودة. الخلافات هيكلية وتمس مفاهيم السيادة والأمن القومي، ما يجعل التنازل السياسي مكلفًا داخليًا لكل من أردوغان وميتسوتاكيس.
مع ذلك، فإن مجرد انعقاد اللقاء وتأكيد الطرفين على استمرار التواصل يحمل دلالة مهمة في بيئة إقليمية مضطربة. فإدارة التوتر بحد ذاتها تُعد إنجازًا مرحليًا إذا ما قيست بسيناريوهات التصعيد غير المحسوب.
المعادلة الراهنة تقوم على توازن دقيق: لا تصعيد واسع ولا تسوية شاملة، بل تثبيت قواعد اشتباك غير مكتوبة تُبقي الخلاف تحت سقف يمكن السيطرة عليه. وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الحوار المتكرر سيقود يومًا إلى تفاهم قانوني ملزم، أم سيظل أداة لتأجيل المواجهة الكبرى.










