أحدث رئيس دولة فلسطين، محمود عباس، حراكاً سياسياً خلال زيارته الرسمية للعاصمة النرويجية أوسلو اليوم، بإعلانه عن جدول زمني محدد وشامل للاستحقاقات الانتخابية والسياسية الفلسطينية القادمة.
وأكد الرئيس عباس، خلال مؤتمر صحفي ولقاءات رسمية مع كبار المسؤولين النرويجيين، أن العام الحالي سيشهد تحولات ديمقراطية كبرى تبدأ بعقد الانتخابات البلدية والمحلية في شهر أبريل المقبل، تليها المحطة الحزبية الهامة المتمثلة في المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" في شهر مايو، وصولاً إلى الحدث الأبرز وهو انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في شهر نوفمبر 2026.
هذا الإعلان يمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تجديد الشرعيات داخل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وأجهزة الدولة، وضمان مشاركة شعبية واسعة في رسم معالم المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحديات الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية على الصعيدين الميداني والسياسي.
تعزيز العلاقات مع النرويج وبرنامج الإصلاح الوطني
جاءت هذه التصريحات في سياق لقاء قمة جمع الرئيس عباس برئيس وزراء النرويج، يوناس جار ستور، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز العلاقات التاريخية المتينة التي تربط البلدين والشعبين الصديقين.
ووضع الرئيس عباس مضيفه النرويجي في صورة "برنامج الإصلاح الوطني الشامل" الذي تنفذه الحكومة الفلسطينية حالياً، والذي يهدف إلى تحديث المنظومة القانونية والمؤسسية لدولة فلسطين وفق أرقى معايير الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة.
ويركز البرنامج بشكل أساسي على ترسيخ سيادة القانون وضمان الفصل الواضح بين السلطات، بما يعزز ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية ويؤهلها لممارسة دورها كدولة كاملة السيادة. وقد حظيت هذه الخطوات بتقدير الجانب النرويجي، الذي طالما كان داعماً أساسياً لجهود بناء الدولة الفلسطينية منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التاريخية في تسعينيات القرن الماضي.
رؤية السلطة لمستقبل قطاع غزة والانسحاب الكامل
استعرض الرئيس محمود عباس خلال المباحثات الجهود المضنية المبذولة لتثبيت وقف الحرب في قطاع غزة، مشدداً على أن الأولوية القصوى حالياً هي ضمان الأمن والاستقرار وحماية المدنيين.
وأكد الرئيس على ضرورة الانتقال الفوري لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام (نسخة 2026)، والتي تقضي بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة وفتح المعابر وتدفق المساعدات.
وجدد الرئيس عباس تأكيده على "وحدة الأرض الفلسطينية"، رافضاً بشكل قاطع أي مخططات تهدف إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية أو القدس.
وأوضح أن الحل الوحيد يكمن في تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة مهامها السيادية في كامل الأراضي المحتلة عام 1967، وفق مبدأ "السلطة الشرعية الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد"، لضمان عدم العودة إلى مربعات الصراع الداخلي أو الفراغ الإداري.
الانتهاكات في الضفة ومخاطر سياسات الضم الإسرائيلي
لم يغب الوضع المتفجر في الضفة الغربية والقدس عن أجندة اللقاء، حيث أطلع الرئيس عباس رئيس الوزراء النرويجي على خطورة القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تهدف إلى تعميق عملية الضم الصامت وتوسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.
وحذر الرئيس من أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي، وتهدف في جوهرها إلى تقويض "حل الدولتين" وتدمير أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وشدد على أن المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس يمثل "خطاً أحمر" قد يؤدي انفجاره إلى عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي والدولي، مطالباً المجتمع الدولي بالانتقال من بيانات القلق والإدانة إلى خطوات فعلية لمساءلة الحكومة الإسرائيلية ووقف تغول المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين العزل.
وقف "الحرب المالية" وتحرير أموال المقاصة
في ختام لقاءاته، وجه الرئيس عباس نداءً عاجلاً إلى النرويج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية للتدخل الفوري لوقف ما وصفه بـ "الحرب المالية" التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وطالب بالضغط على سلطات الاحتلال لوقف الاقتطاعات غير القانونية من عائدات الضرائب (المقاصة)، والإفراج عن كافة الأموال المحتجزة التي تمثل حقاً خالصاً للشعب الفلسطيني.
وأوضح الرئيس أن هذا الحصار المالي المتعمد يهدف إلى شل قدرة الحكومة الفلسطينية عن الوفاء بالتزاماتها تجاه الرواتب والخدمات الصحية والتعليمية، مما يهدد بانهيار المؤسسات الوطنية ويزيد من معاناة المواطنين.
إن استعادة الاستقرار المالي هي الركيزة الأساسية لنجاح برامج الإصلاح والانتخابات المعلنة، وهو ما يتطلب موقفاً دولياً حازماً يحمي النظام المالي الفلسطيني من القرصنة الإسرائيلية المستمرة.










