4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

المرحلة الثانية تحت النار: هل تُعيد غزة رسم خرائط الأمن بين التهدئة والانفجار؟

رغم الإعلان عن اتفاق التهدئة والدخول في مرحلته الثانية، فإن الوقائع الميدانية في غزة تكشف صورة مغايرة تمامًا لما يُروَّج له في البيانات السياسية.

بقلم: سماح عثمان
١٢ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
المرحلة الثانية تحت النار: هل تُعيد غزة رسم خرائط الأمن بين التهدئة والانفجار؟

المرحلة الثانية تحت النار: هل تُعيد غزة رسم خرائط الأمن بين التهدئة والانفجار؟

رغم الإعلان عن اتفاق التهدئة والدخول في مرحلته الثانية، فإن الوقائع الميدانية في غزة تكشف صورة مغايرة تمامًا لما يُروَّج له في البيانات السياسية. فاستمرار خروقات وقف إطلاق النار بقطاع غزة، وتصاعد الغارات على خانيونس، يطرحان تساؤلات جدية حول مدى التزام الاحتلال الإسرائيلي ببنود الاتفاق، وحول ما إذا كانت المرحلة الثانية ستولد أصلًا أم ستُجهض قبل أن ترى النور. وبحسب ما أوردته وسائل إعلام فلسطينية وتقارير ميدانية محلية خلال الأيام الماضية، فإن طائرات الاحتلال عاودت قصف مناطق سكنية في خانيونس، بالتوازي مع إطلاق نار متكرر على أطراف المدينة ومحيط المناطق الشرقية.

هذا الواقع يعكس نمطًا متكررًا منذ أكتوبر 2023، حيث استُخدمت الهدن المؤقتة كفترات إعادة تموضع عسكري أكثر من كونها مسارات حقيقية لوقف العدوان. فالتجربة السابقة تُظهر أن الاحتلال غالبًا ما يحافظ على مستوى من الضغط العسكري حتى خلال فترات التهدئة، سواء عبر الاستهداف المحدود أو الطلعات الاستطلاعية أو توسيع نطاق السيطرة الميدانية، وهو ما يقوّض الثقة المتبادلة ويفتح الباب أمام انهيار أي مسار تفاوضي لاحق.

أطفال غزة تحت القصف

المأساة الأشد وقعًا تبقى في حصيلة الإصابات بين المدنيين، ولا سيما الأطفال، الذين يدفعون الثمن المباشر لأي خرق عسكري. فبحسب مصادر طبية في غزة، أُصيب عدد من الأطفال والمدنيين نتيجة الغارات الأخيرة على خانيونس، في مشهد يعيد إلى الواجهة صورة الحرب المفتوحة التي لم تتوقف فعليًا منذ أكتوبر 2023، حيث وثّقت تقارير حقوقية دولية سقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من المدنيين.

إن استهداف مناطق مأهولة خلال فترة تهدئة يفترض أنها تمهّد لمسار سياسي، يكشف خللًا جوهريًا في ميزان الردع، ويؤكد أن الاحتلال لا يزال يتعامل مع القطاع باعتباره ساحة عمليات مستمرة، لا منطقة مشمولة باتفاق سياسي. كما أن استمرار سقوط ضحايا مدنيين يُضعف أي رواية إسرائيلية تتحدث عن "دقة العمليات" أو "استهداف البنية العسكرية فقط"، إذ تُظهر الوقائع أن الكلفة البشرية تقع بشكل ساحق على السكان العزل، في ظل دعم أمريكي سياسي وعسكري واضح للحرب، سواء عبر التسليح أو الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية.

المرحلة الثانية المأزومة

الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة يُفترض أن يتضمن خطوات أكثر حساسية، مثل توسيع نطاق الانسحابات، وترتيبات أمنية جديدة، وربما تفاهمات حول إدارة المعابر وإعادة الإعمار. غير أن استمرار الخروقات يضع هذا الانتقال أمام اختبار معقّد، إذ لا يمكن لأي طرف أن يمضي في التزامات أوسع في ظل بيئة ميدانية غير مستقرة. كما أن غياب ضمانات دولية حقيقية يُعزّز الشكوك بشأن نوايا الاحتلال في الالتزام طويل الأمد.

سياسيًا، يبدو أن حكومة الاحتلال تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الأمنية قبل تثبيت أي صيغة نهائية للتهدئة، مستفيدة من الغطاء الأمريكي المستمر منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. هذا السلوك يعكس محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بحيث تصبح المرحلة الثانية مجرد إطار شكلي يُكرّس معادلات فرضت بالقوة، لا نتيجة تفاوض متكافئ.

رفح وإعادة الترتيب

في موازاة التصعيد في خانيونس، يبرز سؤال أمني–سياسي بالغ الحساسية: هل يجري العمل على إعادة تشكيل المشهد الأمني في معبر رفح عبر أطراف محلية بديلة؟ هذا التساؤل يكتسب أهمية خاصة في ظل الحديث المتكرر عن ترتيبات جديدة لإدارة المعابر، ووجود ضغوط إقليمية ودولية لإعادة فتح رفح وفق صيغة "معدّلة" تختلف عمّا كان قائمًا قبل الحرب.

إعادة ترتيب الوضع الأمني في رفح قد تعني إدخال أطراف فلسطينية جديدة أو إعادة تموضع قوى قائمة، بما ينسجم مع رؤية الاحتلال وبعض الدوائر الدولية لمرحلة "ما بعد الحرب". غير أن مثل هذا السيناريو يثير مخاوف واسعة داخل الشارع الفلسطيني، إذ يُنظر إليه كجزء من محاولة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يتجاوز الإرادة الوطنية، وتحت ضغط عسكري مباشر.

أطراف بديلة؟

طرح فكرة "الأطراف المحلية البديلة" لا يمكن فصله عن سياق أوسع تسعى فيه أمريكا وشركاؤها إلى بلورة صيغة إدارة جديدة للقطاع، تُخفف العبء عن الاحتلال من دون أن تنهي سيطرته الفعلية. فمن خلال ترتيبات أمنية معقدة في المعابر، يمكن تكريس نموذج رقابة غير مباشرة، يتيح للاحتلال التأثير في حركة الأفراد والبضائع، حتى لو لم يكن حاضرًا عسكريًا بشكل دائم على الأرض.

غير أن أي إعادة تشكيل أمنية لا تنطلق من توافق وطني فلسطيني شامل، ستكون عرضة للاهتزاز، وقد تتحول إلى مصدر توتر داخلي إضافي، بدل أن تكون مدخلًا للاستقرار. كما أن استمرار العدوان والخروقات يقوّض أصلًا أي بيئة مناسبة لإعادة بناء الثقة أو إطلاق مسار سياسي جاد، ما يجعل الحديث عن مرحلة ثانية مستقرّة أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع.

في المحصلة، تبدو المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة معلّقة بين نيران الخروقات وحسابات إعادة هندسة المشهد الأمني، في ظل حرب لم تتوقف فعليًا منذ أكتوبر 2023، ودور أمريكي مباشر لا يزال يمنح الاحتلال هامش حركة واسعًا. وبينما يُراهن البعض على أن الترتيبات الجديدة قد تفتح نافذة تهدئة أطول، فإن الوقائع الميدانية حتى الآن تقول إن غزة لا تزال تعيش في قلب العاصفة، لا على هامشها.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

المرحلة الثانية تحت النار: هل تُعيد غزة رسم خرائط الأمن بين التهدئة والانفجار؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°