20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ملاذ الأوسي تكتب: من لندن إلى الكوت: كيف تشرعن السياسة فخاخ الموت؟

عندما يُلحق فردٌ أذىً جسديًا بآخر يؤدي إلى وفاته، نسمي هذا الفعل قتلًا غير عمد؛ وعندما يعلم المعتدي مسبقًا أن الإصابة ستكون قاتلة

بقلم: ملاذ الأوسي
١٢ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
102 مشاهدة
ملاذ الأوسي تكتب: من لندن إلى الكوت: كيف تشرعن السياسة فخاخ الموت؟

ملاذ الأوسي تكتب: من لندن إلى الكوت: كيف تشرعن السياسة فخاخ الموت؟

عندما يُلحق فردٌ أذىً جسديًا بآخر يؤدي إلى وفاته، نسمي هذا الفعل قتلًا غير عمد؛ وعندما يعلم المعتدي مسبقًا أن الإصابة ستكون قاتلة، نسمي فعله قتلًا عمدًا. ولكن عندما يضع المجتمع مئات العمال في وضعٍ يُؤدي حتمًا إلى موتٍ مبكرٍ وغير طبيعي، وهو موتٌ عنيفٌ تمامًا كالموت بالسيف أو الرصاص؛ عندما يحرم الآلاف من ضروريات الحياة، ويضعهم في ظروفٍ لا يستطيعون العيش فيها - يُجبرهم، من خلال قوة القانون، على البقاء في مثل هذه الظروف حتى الموت الذي هو النتيجة الحتمية - يعلم أن هؤلاء الآلاف من الضحايا سيهلكون، ومع ذلك يسمح باستمرار هذه الظروف، فإن فعله هو قتلٌ عمدٌ تمامًا كفعل الفرد الواحد؛ قتلٌ مُقنّعٌ وخبيث، قتلٌ لا يستطيع أحدٌ الدفاع عن نفسه ضده، والذي لا يبدو على حقيقته، لأنه لا أحد يرى القاتل، ولأن موت الضحية يبدو طبيعيًا، حيث أن الجريمة هي جريمة إهمالٍ أكثر منها جريمة فعل...

فريدريك إنجلز، أوضاع الطبقة العاملة في إنجلترا، 1845 (ترجمة بتصرّف).

بهذا التفسير الذي صاغه فريدريك انجلز في كتابه اوضاع الطبقة العاملة في انجلترا عام 1845 يبرز مفهوم القتل الاجتماعي لوصف شكل الموت الناتج عن ظروف معيشية او مهنية تفرضها الدولة او المنظومة الاقتصادية مع الادراك المسبق لنتائجها الكارثية

 

من غرينفيل الى الكوت القتل الاجتماعي في السياق العراقي

 لا يمكن النظر الى الكوارث الكبرى التي تحصد ارواح الابرياء بوصفها مجرد حوادث عرضية او قضاء وقدر بل هي في جوهرها تجسيد صارخ لمفهوم القتل الاجتماعي هذا المفهوم يكشف كيف تساهم السياسات الاقتصادية والاخفاقات المؤسسية في جعل الموت نتيجة حتمية ومتاحة للفئات الاضعف في المجتمع ففي 14 يونيو حزيران 2017 اندلع حريق هائل في برج غرينفيل السكني المكون من 24 طابقا غرب لندن كشف الحريق عن سلسلة من الاخفاقات المتراكمة ولم يكن مجرد خلل فني بل كان نتيجة لسياسات تقليل النفقات التي استبدلت مواد البناء الامنة بمواد تغليف رخيصة وقابلة للاشتعال لقد اتخذ اصحاب القرار خيارات جعلت حياة سكان البرج في مهب الريح كاشفة عن خلل بنيوي في التعامل مع امان الفقراء

 

اما في الكوت فقد اندلع حريق ضخم في هايبر ماركت الكورنيش في 16 تموز 2025 المكون من 5 طوابق شهد تصاعدا سريعا للنيران خلال ساعات العمل مما ادى الى كارثة انسانية ومن ذات المنظور يمكن فهم حادثة هايبر ماركت الكوت حيث تجلت فيها انماط بنيوية متطابقة مع مأساة غرينفيل فالموت هنا لم يكن وليد الصدفة بل كان نتيجة لترابط وثيق بين اهمال معايير السلامة والتغاضي عن منظومات الاطفاء والانذار المبكر وبين الجشع الاقتصادي الذي فضل الربح السريع عبر استخدام مساحات غير مهيأة هندسيا للاستخدام التجاري المكثف وصولا الى الغياب الرقابي الذي سمح بتحول مركز تسوق مزدحم الى بيئة قابلة للاحتراق في اي لحظة

 

يبرهن حريق هايبر ماركت الكوت ان مفهوم القتل الاجتماعي ليس ظاهرة غربية او تاريخية بل هو واقع مرير يتكرر في قلب مدننا فالموت في هذه الحادثة لم يكن مجرد نتيجة لشرارة عارضة بل كان نتيجة حتمية لبيئة جعلت الكارثة مسألة وقت لا اكثر ووفقا لرؤية انجلز تتحمل الهيئات الرقابية المسؤولية الاخلاقية والقانونية لانها سمحت بوجود فخاخ موت عامة مما يحول الاهمال المؤسسي الى اداة قتل غير مباشرة تماما كما حدث في لندن ولكن بنكهة اهمال محلي

الفرق الجوهري يكمن في ما بعد الكارثة في بريطانيا استمر التحقيق سنوات وانتج تقريرا من 1700 صفحة و58 توصية ملزمة وادى لتغيير جذري في قوانين البناء وتعويضات الضحايا لقد واجهت الدولة حقيقة قتلها الاجتماعي لمواطنيها

في العراق بعد اشهر على حادثة الكوت لا تزال الاجراءات خجولة واقتصرت على حلول ادارية سطحية تغيير وجوه او ايقاف مؤقت دون الغوص في جذور الفساد المؤسسي الذي انتج الكارثة مما يعني ان الظروف التي سمحت بحريق الكوت لا تزال قائمة وربما تنتظر ضحايا جددا إن الاعتراف بالقتل الاجتماعي هو الخطوة الاولى لمحاسبة النظام الرقابي بدلا من القاء اللوم دائما على التماس الكهربائي وتبرئة السياسات التي جعلت من ذلك التماس كارثة بشرية  بقاء هذا الفخ السلطوي دون حل جذري يعني اننا لا ننتظر حادث جديد بل ننتظر موعد القتل القادم.

 

 

 

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

ملاذ الأوسي

التعليقات

4

أضف تعليقك

0/1000

جميع التعليقات (4)

زهراء حيدر

5 شهور

طرح ممتاز 👌

كرار جاسم درويش

5 شهور

عاشت ايدج مقال موفق

وسام السراي

5 شهور

تشخيص جيد لهذا المقال عن استمرار الخطر المحدق بالمواطن

جنان السراي

5 شهور

عاشت ايدك ملاذ مقال موفق👌

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير