غالباً ما أواجه ذلك السؤال التقليدي، سواء من المقربين أو من أشخاص ألتقيهم للمرة الأولى: "لماذا اخترتِ هذا المجال بالذات؟".
في البداية، لم أكن أملك إجابة واضحة سوى رغبة طفولية ونبيلة في أن أكون حلقة الوصل، أن أُعير صوتي لأولئك الذين يملكون أصواتاً خافتة وخجولة لا تجد طريقاً للعلن.
لكنني، وبعد مرور السنين، اكتشفتُ أننا قد نختار أموراً لمجرد أننا أحببناها أولاً، ثم نكتشف لاحقاً أسباب هذا الحب؛ لقد اكتشفتُ أنني أحب الحقيقة في صورتها الكاملة، رافضةً على الدوام مبدأ "أنصاف الحقائق" أو العيش في طمأنينة مؤقتة يغذيها الوهم. أحب الحقيقة الواضحة العارية مهما كانت قبيحة أو مؤلمة، كخيار ومبدأ حياة لا يقبل المساومة.
بحكم عملي كصحفية ومقدمة برامج إذاعية، تحولت حياتي إلى مخزن كبير للقصص؛ قصص سعيدة، حزينة، بسيطة، وعميقة.. عبر سنوات من الاندماج في حيوات من قابلتهم بسوداويتها وبهجتها، كان هناك شيء يتكرر دائماً في فصول قصصهم وكنت ألمحه بوضوح في حكايات من أصغيتُ إليهم؛ بعضهم كان ممتناً لأن حياته حَظيت في الوقت المناسب بذلك الصوت الثابت الذي أيقظه وحماه، وبعضهم الآخر يعتصره الندم لأنه لم يستمع لذلك الصوت ولم يفهم صدق إلحاجه إلا بعد فوات الأوان.
ومن هذه القصص وتأملها، وجدتني أربط بين طبيعة هؤلاء البشر وبين مفهوم علمي شهير يُعرف بـ "الوايت نويز" (White Noise) أو الضوضاء البيضاء.
في الفيزياء والعلوم، "الوايت نويز" هو صوت مستمر ومدمج يحتوي على جميع الترددات الصوتية التي يستطيع الإنسان سماعها بكثافة متساوية (مثل صوت المطر الثابت، أو شلالات المياه، أو تشويش الراديو القديم). وظيفته السحرية تكمن في قدرته على "حجب" الأصوات المفاجئة والمزعجة في البيئة المحيطة، مما يساعد الناس على التركيز، الاسترخاء، والنوم العميق، وتغيير جودة حياتهم ببساطته واستمراريته إذا ما جعلوه جزءاً من نظامهم.
من هنا جاء تشبيهي؛ إنني أرى في هذا العالم أشخاصاً يمثلون تماماً "الوايت نويز الإنساني".
هم لا يأتون ليحجبوا الحقيقة، بل على العكس؛ إنهم يصدرون تردداً صادقاً ومستمراً، وظيفته حجب ضوضاء الزيف وفوضى الترندات اللحظية التي تملأ الفضاء وتُشتت وعي الناس، ليصنعوا خلف هذا الحجب مساحة هادئة وآمنة تظهر فيها الحقيقة واضحة جلية دون تشويش. هم أولئك الذين يستبسلون في الدفاع عن قضايا لا تخصهم، ولا تلمس أي جزء شخصي من مصالحهم، يفعلون ذلك لمجرد أن رؤيتهم الفطرية والداخلية تخبرهم بأن هذا هو التصرف الصحيح لفعله، مدفوعين فقط برفضهم المطلق لشيء غير صحيح.
في هذا العالم المليء بالوحشية والغربة، عندما تقرر أن تدافع عن قضية معينة وتستمر فيها لوحدك، يلتفت إليك المجتمع الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم لينظروا إليك كطارئ يصدر صوتاً نشازاً. يصفونك بـ "البطران" أو "الخابص الدنيا"، وتسمع كلمات من قبيل: "في أي عالم تعيش". هم ينزعجون من هذا الصوت لأن المجتمع الذي اعتاد على الصمت المريح يرى في كلمة الحق هزاً لاستقراره المزيف؛ الحق يذكرهم دائماً بما يخشون مواجهته، ويُعرّي تخاذل الآخرين.
وهنا يظهر الفرق بين نوعين من الأصوات في حياتنا اليومية؛ المجتمع اليوم يغصّ بـ "الصراخ العالي اللحظي"، تلك الأصوات الفوضوية الصاخبة التي تصنعها "الترندات" أو الانفعالات المؤقتة، تظهر فجأة وتختفي فجأة دون أثر، مخلفةً وراءها الكثير من التلوث السمعي والفكري. أما "الوايت نويز الإنساني" فهو ليس صراخاً؛ إنه صوت دافئ، منخفض، ثابت، ومستمر. لا يهتف من أجل لفت الانتباه أو حصد التصفيق، بل يستمر بهدوء وإصرار ليخلق الأثر التراكمي الحقيقي. هو الفرق الحاسم بين فوضى الضجيج، وبين الثبات الراسخ على المبدأ.
لكن، أن تختار أن تكون هذا الصوت المستمر، فهذا خيار باهظ الثمن، ولا يأتي مجاناً أبداً. هناك كلفة نفسية واجتماعية هائلة يدفعها صاحب "الوايت نويز"؛ إرهاق مزمن، وشعور خانق بالعزلة، وضغط مستمر ينخر في روحه. إنه يحترق في فضائه الخاص ليمنح المحيطين به مساحة من الهدوء أو ليحمي حقيقةً تكاد أن تموت. تتحول الكلمة والموقف عنده من مجرد رأي إلى "مسؤولية أخلاقية" واجبة، يجد نفسه عاجزاً عن التخلي عنها أو الصمت تجاهها، رغم كل التعب والإحباط الذي يحيط به. ومع هذا، ورغم القهر، أرى الكثيرين مستمرين في إصدار هذا "الإزعاج النبيل". يستهزئ العالم ببشاعته من خطواتهم الثابتة المتكررة، لكنهم يدركون أن النتيجة الحقيقية تكمن في شيء واحد: الاستمرارية.
تذكرتُ هذا وأنا أشاهد المسلسل الكوري (The Scarecrow) الذي يرتكز على أرضية واقعية صلبة، ليروي قصة مأساوية عن سلسلة جرائم قتل أُدّين فيها شخص بريء ظلماً، وحُكم عليه بسنوات طويلة قضاها خلف القضبان، ليخرج بعدها إلى مجتمع يلفظه، بعد أن سلب منه السجن شبابه، وعائلته، وأصدقاءه. ورغم أن القضية أُغلقت منذ سنوات طويلة وبدت مستحيلة الحل، بدأ الأمر بمقاومة من شخص واحد رفض الاستسلام ، ليتطور لاحقاً إلى جهد جماعي قادته ثلة من الشرفاء؛ حيث خاضوا معاً معركة شرسة لكشف الحقيقة الكاملة، متحدين كل ما تعرضوا له من إقصاء وتضييق وخسارات قاسية، حتى انتزعوا العدالة في النهاية.
هذا الجهد الجماعي ما كان ليبدأ لولا ذلك التردد الأول؛ ذلك الصوت الثابت الذي رفض الصمت ومقاومة ضوضاء التعتيم حتى التفت الجميع للحقيقة.
والحقيقة أننا لا نحتاج هذا الإزعاج في القضايا الكبرى فحسب، بل نحتاجه في أدق تفاصيل حيواتنا وعلاقاتنا الشخصية. أحياناً، نكون نحن "الوايت نويز" لشخص نعرفه؛ نزنّ فوق رأسه بالحقيقة، ننصحه فيرانا "مزعجين"، لكننا في الحقيقة نكون حبل النجاة الذي يحميه من السقوط في تلك الحفرة التي حفرها لنفسه. فالشخص الحقيقي الذي تود أن يكون في حياتك ليس من يبيعك طمأنينة كاذبة، بل من يملك شجاعة إزعاجك بالحقيقة مهما كانت حالتك.
إن هذا التردد الثابت الذي نطلقه في العالم لا يذهب سدى، بل يخضع لما يشبه "تأثير الفراشة". فالصوت الذي يصدر من خلف المذياع، أو الكلمة التي تُخط في مقال، قد يمران عابرين في سيارة شخص ما، أو يطرقان باب عقل متعب في بيته؛ فيتأثر بهما، وينقل هذا الأثر لعائلته أو أصدقائه دون أن ندري. الاستمرارية تحول الصوت إلى "عدوى نبيلة" تتناقلها الأرواح، لتصنع بمرور الوقت جيلاً يرفض الركود والصمت المطبق؛ جيلاً يدرك أن صوت الحق، رغم إزعاجه، هو الوحيد القادر على حجب ضوضاء الزيف ومنحنا الطمأنينة الحقيقية.
بعد كل تلك السنوات في بيئة مثقلة بالقصص والمشاعر، وإصغائي الطويل لهموم من قابلتهم، يدرك المرء في النهاية أنه قد لا يملك القدرة على تغيير العالم بأسره كما كان يحلم في طفولته. التغيير مسار هادئ وصعب، لا يحدث بين يوم وليلة ولا حتى في شهور، وقد يظهر أثره الحقيقي بعد سنين طويلة، سواء كنا هنا لنشهده أم لم نكن. لكن الثبات على الموقف، أو الدفاع عن قضية, أو حتى قول كلمة صادقة، يحمل في طياته يقيناً خفياً: أننا قادرون على لمس حياة إنسان واحد. وحين تشرق الحقيقة في عقل شخص آخر، فإنها تبدأ رحلتها الخاصة في النمو، بهدوء، واستمرارية، ودون ضجيج.




