أنا متعب يا زعيم متعب من كوني وحيداً في الطريق كعصفور في المطر متعب من عدم وجود رفيق أكون معه، ليخبرني إلى أين نذهب، ومن أين نأتي و لماذا، في الغالب تعبت من البشر وكونهم قبيحون مع بعضهم ، تعبت من كل الالام التي اشعر بها واسمع عنها في العالم كل يوم هناك الكثير منها انها مثل قطع الزجاج في رأسي طوال الوقت هل يمكنك ان تفهم؟.
هل تتذكرون صرخةَ "جون كوفي" الهادئة في فيلم The Green Mile؟ تلك "الكفاية" التي قالها بنبرةِ صوتهِ المُثقلة وملامحُ وجههِ المُنهكة.. لم يكُنْ ذلك مجرد إداء تمثيلي لمشهدٍ، بل كانت روحاً مُنكَسِرة مُتحطِمة سُكبت أمام الكاميرا لتٌخبِرنا عن قسوة وبشاعة الظُلم في هذا العالم.
لا يزالُ صوتهِ يَهمِسٌ في داخلي كأنهِ حقيقةً عِشتُها، لا مشهداً من فيلم شاهدتهُ.
في كل مرةٍ أشعرُ إنني بحاجةٍ إلى شيءٍ حقيقي يَمُّسُ روحي ويُعيدُ ترتيبُ فوضى عالمي، أعودُ إلى ذلكَ الرابِطُ الخفي بيني وبين الشاشةِ ؛ رابطٌ لا يحتاج إلى تفسير لأن المشاعرٌ فيه صافية،حقيقية، خام، وغير مصطنعة ليست مُزيفةً. أتساءل كثيراً كُلّما دارَ نِقاشٌ عن الافلام والمشاهد المؤثِرة، هل يٌمكن إعادة تمثيل تلك اللحظة بالروح ذاتها؟ لا أظُنْ؛ لإن بعضَ المشاعرِ تولدُ مرةً واحدة، في لحظةٍ غيرُ قابلةٍ للتكرار، وحِدوثِها في هذا الوقت تحت هذه الظروف هو ما اعطاها قيمتها بوجود كل المعطيات الآن وشكل الحياة الذي يتغيرُ يومياً أُحاولُ تخيُّل الحياة القادمة بعد أجيال كيف ستكون ماذا سيحدث لتلك النسخة القديمة من الحياة الماضية ؟
ماذا لو جاء زمن تُسلب فيه هذه الفرادة؟ لنتخيل أننا في عام 2076، حيث لم تعُد السينما مواقع تصوير وكاميرات وتمثيل وشخصيات، بل خوارزميات باردة تُعيدُ تشكيل الملامح بالاوامر، لا أرى ان الممثل يقفُ أمام الكاميرا، بل سيجلس في منزلهِ بعدما باع حقوق وجههِ لشركة إنتاج تزرعهُ رقمياً في أي مشهد ترغب أثناء حياتهِ وحتى بعدَ موتهِ، سيصبحُ جسداً بلا روح، ملامح بلا تعابير لوجههِ، لافرحاً يُضحِك ولا حُزناً يُبكي،بلا تفاصيل خلّفتها المشاعر بلا ذلك الإرتجاف الغير متوقع في الصوت وبلا سلطة او رأي أو تقمّص لروح الشخصية ، كل شيء سيكون محسوباً ومضبوطاً، لكنه سيكون خالياً من الروح.
بالنسبةِ لي كشخصٍ يتماهى مع المسلسلات والافلام التي يُشاهِدُها حتى لو لم يُكن المشهد يُعّبر عن شيءٍ عِشتهُ بل من شدةِ التعبير والعُمق الذي يبذلهُ الممثل كثيراً ما تتغيرُ حالتي النفسية بعدَ أن أُشاهدُ شيءٌ يلمِسُ روحي هُنا تبدأُ المشكلةُ لدّي فالذكاءُ الاصطناعي وأغلبُ مستخدميهِ مهووسين بالكَمال، لإنهم غير مُدركين إن الجمال الحقيقي لا يولدُ من الكمال ،بل يولدُ من العفوية. الممثل الحقيقي ليس مجرد "مؤدٍ"، بل هو وعاء لتاريخهِ الشخصي؛ يستحضر آلامهُ القديمه وخيباتهِ المنسّية وأنتصاراتهِ ليُسِقِطها على الشخصية.
هذا هو الفارق بين المحاكاة الرقمية والإستحضار الإنساني؛ فالآلةُ تحاكي النتيجة لكن الممثل يعيش السبب يتعايش مع حالةٍ لشخصيةٍ وكأنها هو.
أتذكرُ مشهداً أُحِبُ مشاهدتهُ كثيراً للرائع الراحل أحمد زكي في "إسكندرية... ليه؟" حين تحول في ثوانٍ أمام نجلاء فتحي من ذاك الرجل الناقم الى رَجُلٍ مُغرمٍ حالمٍ في آن واحد. اما في The Godfather، حين وقف مارلون براندو مُنهاراً متحولاً من رَجُلِ مافيا إلى أبٍ فقط حين قال : «أنظرُ كيف شوهوا وجه ولدي»، لم تكن تلك الكلمات هي المؤلمة، بل وجههُ المُثقل بالفُقدان والطريقة التي قال بها ذلك. وفي Interstellar، كان إنهيار ماثيو ماكونهي صدمةً شعوريةً حيةً لا تُكررها الأرقام عند مشاهدتهٍ تسجيلات أولادهِ.
أنا أرى إن الذكاء الاصطناعي لا يُدرك قيمةَ "الخطأ الجميل". في السينما، يعيشُ الفن على العثرات؛ كالذي حدث مع ليوناردو ديكابريو في Django Unchained حين كسر كأساً ونزفت يده حقيقةً وأستمر في الأِداء نتيجةَ عيشهِ بعمق داخل الشخصية وأبقى المخرج على المشهد لأنهُ كان إنفعالياً حقيقاً أفضل من المطلوب ربما . لو كان المشهد مكتوب بإستخدام الذكاء الإصطناعي فسوف لن يوجد مجال للعفوية ولا الانفعال سيجعلُ كل شيءٍ مثالياً مِثلما كُتِبْ ، بينما الفن في جوهرهِ هو صرخةٌ في وجهْ المثالية.
رغم كل هذا التقدم سيبقى هناك حاجز نفسي عميق يُعرف بـ "وادي الغرابة" (The Uncanny Valley)، وهو مفهوم يصف تلك اللحظة التي يقتربُ فيها الكائن الرقمي من ملامحنا لدرجة مخيفة، لكنهُ يفشلُ في محاكاة "الروح"، فنشعرُ بنفورٍ فطري. سنشعرُ بذات "الزيف" حين نرى وجهاً يُقلّدُ الحميمية دون أن يملُك ذاكرة.
ومع ذلك، من الإنصاف أن نسأل: هل المشكلة في التقنية ذاتها أم في كيفية إستخدامها؟ فالذكاء الإصطناعي، في يد مخرجٍ حالم، قد يكون أداةً لتوسيع خيال الإنسان لا لإختصارهِ. يمكن لهذه التقنية أن تُرمم تُراثنا السينمائي الذي أكلتهُ الرطوبة،أو حتى تخلُق عوالم بصرية كانت العين تعجزُ عن تخيُلها.
المعركة الحقيقية، إذن، ليست بين "الإنسان والآلة"، بل هي معركة "بذل الجُهد ضد الاستسهال"؛ بين من يستخدم التقنية ليُعمّق التجربة الإنسانية، ومن يستخدمها ليختصر الطريق على حساب الروح.
وهُنا، أرى مُستقبلاً ينقسِمُ فيهِ البشر إلى فئتين:
الأولى: صُنّاع ومتلقون إستسلموا لسُلطة الخوارزميات؛ حيث يُصنع كل شيء بضغطةِ زر بتكاليف أقل لو تم صُنعها على أرض الواقع ، ويُوضع المُمثل في أدوارٍ لا تتوافق مع تاريخهِ أو آرائه، ليصبح مُجرد "قالب من السيليكون" يُصبّ فيه أي نص ويوضع في غير موضعهِ.
الثانية: فئةٌ تعيشُ في "نوستالجيا" دائمة، مُتمسكة بالأفلام التي صُنعت بجهدٍ بشريٍ خالص.أعتقدُ ان الإنسان سيشتاق لرؤية وجه الإنسان بملامحهِ ومشاعرهِ الحقيقة التي لم تُزيفها التكنلوجيا مستقبلا أكثر من أي وقتٍ مضى ستتحول السينما البشرية إلى "فن نخبوي"، يبحث فيه هؤلاء عن "مشاعر الممثل" و"إرتباك الكاميرا".
ذكرني كل هذا بالفلسفة اليابانية القديمة «الوابي سابي» (Wabi-sabi)، التي ترى الجمال في عدم الكمال . الصدّع في إناء الفِخار هو الذي يحكي تاريخهُ، وكذلك "الصدّع" في أداء الممثل هو الذي ينفذُ إلى قلوبنا كشُعاعِ ضوء في عتمةٍ حالِكة. نحن لا نتماهى مع المثالية، بل مع الإنكسار. قد يمنحنا الذكاء الإصطناعي وجهاً بلا مسام، لكنهُ سيكونُ وجهاً بلا "قصة"؛ لأن القصص تُكتبُ بالتجاعيدِ والدموع، لا بالمعادلات والخطوات.
أعتقد إننا فتحنا صندوق "باندورا" بالفعل ومع كل هذا البريق التقني ، يبقى الرِهانُ على قدرتِنا على حبّ "النقص" فينا. فهل سنظّلُ نكتفي بهشاشتنا الإنسانية الصادقة؟ أم إننا سنسقُطُ في فخّ المثالية الرقمية، ونغترُّ بتلك الصور اللامعة حتى ننسى وجوهنا الحقيقية، بتعبها الجميل وتجاعيدها التي خلّفتها أعوامُ من المشاعر والظروف الانسانية ، فحين ننظرُ في المرآة لا نرى سوى أشباحاً لا نعرفهم؟







